عندما تغلق الحياة أبوابها بوجه براعم كبر الحلم في وجدانها، ويلاحقها شبح الموت ويجتاح الرعب والخوف كيانها الهش، وتجرف الحرب آفاق المستقبل لديها، ويتغلغل السواد في دروبها؛ يصبح الفرار أملا بعيد المنال، ويمسي الشباب السوري ضحية سهلة ولقمة سائغة، تتلقفها مافيات تجارة البشر لمن بقي على قيد الحياة منهم.
فبعد أن استنفدت تجارة الأعضاء لضحايا الحروب والجرحى والمخطوفين، بعدما غصّت بهم بنوك الأعضاء وانفضحت جرائم القائمين عليها. تحول الاتجار بالبشر لشكل آخر، مجددين أدواتهم وأساليبهم، عبر استغلال الظروف القاسية لجموع الشباب ورغبتهم بالهروب من وجه الموت بتأمين ترحيلهم خارج أوطانهم والتحايل عليهم لاقتناص ما تبقى من مدخرات لدى أسرهم: فمنهم من باع بيته ليؤمن تمويل الرحلة العالية الكلفة، ومنهم من باع مصاغ بناته.
يقول أحمد: «باع أهلي بيتنا على أمل أن أعمل وأعوض لهم ما باعوه بفترة وجيزة، حسب ما أقنعني «أبو سمير» سمسمار الطريق. قبل أن تتبدد أحلامي وأصير أتمنى الموت ولا أجده، حيث باتت كل الوعود والأوهام التي وعدنا بها السمسار في مهب الريح. أبو سمير متعهد السفر ومهندس الرحلات، كان يزين ويلون لهم الحياة في الضفة الأخرى، ويؤكد أن الطريق آمنة ويتناسب الأمان طرديا مع زيادة الدفع».
مافيا تتوزع أدوارها بين الغش والتدليس بتلميع الرحيل مرة والجنة الموعودة في بلد الاغتراب للهاربين من الموت. أبو سمير هذا شخصية غريبة، عندما يعلو صوته تحار في رسم صورته الحقيقية، خاصة عندما يتكلم بمنطقه الخاص «يا أخي غير هيك ما بتوفي معاي أنا أشيلهم من الموت وهم يفاوضونني بالسعر.. تعال ولك أخي! إذا ما وصلت آمنا تعال ابصق على هالشوارب».
يتسع نطاق المكلفين بنقل المهاجرين، فكل شخص يُكلَف بجزء من العملية: تبدأ من ملاك وسائل النقل البرية والبحرية. منها إلى مترجمي الوثائق إلى لغة البلد المنشود. وهناك من هو مسؤول عن تأمين أو تزوير «الفِيَز» اللازمة وكل شيء بحسابه. حيث لا يعود بالإمكان توجيه الاتهام لجهة ما بشكل مباشر عندما تفشل العملية أو يغرق المهاجرون في البحر. فالكل يدعي أنه غير مسؤول وأنه أتم عمله على أكمل وجه، والخطر هو بيد العناية الإلهية أو ظروف الطقس. ناهيك عن كونهم بالأساس هاربين من الموت أو في حكم الميتين، والمسألة حظ برمتها. إذ أن الكثيرين واتاهم الحظ واتتهم فرصة للحياة والكسب.
بهذه التعابير يغسل أولئك ضمائرهم محاولين إقناع اللائمين ومداراة لوم المعترضين والفهم الخاطئ لعملهم الإنساني، غاضين الطرف عن المعاناة الأخرى في معسكرات اللجوء والاحتجاز الطويل لغرض الارتهان وفق أجندات سياسية غير معلوم تبعيتها وأخطارها.
رواية «الكافرة» للعراقي علي بدر كانت في جزءٍ منها تلخيص لنمط تواجد وحياة نخاسي العصر؛ الذين تفننوا في أساليب الاتجار بالبشر واستغلال ظروفهم وقسوة حياتهم. وانعكاس لصورة الواقع الذي تكرر في أغلب المناطق المشتعلة بالحروب والكوارث وسوريا الآن صارت في القلب منها.
بلد يفرغ من شبابه، ووطن تنزف كوادره الحية، وأرض تغصّ بدماء أبنائها. هل من قبيل الصدفة ذاك التشابه المذهل بين ظروف ومشاكل الشباب على الضفاف الأخرى للمتوسط من مصرييّن وليبييّن وأفارقة.. وآخرهم السوريون الذين أخذت أزمتهم شكلها الأقسى لناحية اتساع رقعة الحرب والاقتتال، واستمرار الظرف على امتداد خمس سنوات وتزيد؟ وهل نتكئ دائما على نظرية المؤامرة الخارجية؟ وماذا بعد هذا النزيف؟ متى تتوقف اللعنة عن هذه المنطقة؟ ومتى ينفض طائر الفينيق رماده وينطلق؟
أما من نهاية لهذا النفق المظلم؟ ألم يكتف الموت من دماء الأبرياء؟
٭ كاتبة وصحافية سورية
دعد ديب