إن السرد الذي يوصف بأنه «فعل لا حدود له يتسع ليشمل مختلف الخطابات» في تواصله وحواريته مع مختلف الأجناس الأدبية والعلوم والفنون، بما يمتلكه من جماليات لغوية، وفنيات سردية، ومرونة شكله، وتعدد مضامينه، وطواعية حكيه لمختلف الأحداث والأقوال، وحمله للدلالات والسمات في عمق مضامينه، خلف سطوحه اللغوية، ومظاهره الأدبية، فهو يحاور التاريخ، ويُسائل إشكالاته، في مواجهة راهنه واستشراف مقبل أيامه، للوصول إلى ما وراء الأحداث وما خلف الوقائع، ينطلق مما كان إلى ما هو كائن إلى ما يكون، في لعبة سردية تغوص في أعماق المعنى « يبقى ما يميز الجملة القصصية عن الجملة التاريخية هو المستوى العميق (أي الدلالة) للخطاب السردي في هذا المستوى تتجلى الدلالات العميقة «، وكما يحاور التاريخ، فإنه يحاور الجغــــرافيا، مخــــترقا أمكنــتها وأحيازها وفضاءاتها، ساردا تقلبات الأنفس ومواجع الأبدان، يحكي الإنسان في سعادته وشقائه، وأحواله وتحولاته، وأفعاله وأقواله، وأشعاره وأمثاله، ونشاطه وتعبيراته… إنه السرد عندما يحكي العالم في واقعه وتخييله وعجائبيته.
إن رواية «سوناتا لأشباح القدس» لواسيني الأعرج، بوصفها نصا سرديا يُعانق التاريخ ويحكي الأمكنة ويُدمج الوثائق وأرقام الزمن الذي كان، مثلما يُدمج نصوص كتب الأديان السماوية، فهو يسرد الأمثال والأغاني والأساطير… إنه إعمال لفعل السرد الذي لا حدود له ولا حواجز تكبح تأثيره وتعترض سلطته، في رواية تختزل رحلة عائلة فلسطينية مهجّرة من وطنها الضائع، بفعل الاحتلال الصهيوني، إنها رحلة «مي» الفنانة التشكيلية، التي غادرت مدينتها « القدس» مدينة طفولتها الأولى، غادرت وهي بنت الثماني سنوات لا تحمل معها إلا ذكريات طفولية ترافقها في حياتها، إلى وطن بديل، (أمريكا) أعطاها حرية شخصية وسرق منها وطنا، لم تجد وهي تعاني من سرطان مزمن مثل سرطان المكان الذي التهم وطنها، سوى رسم لوحات زيتية لحفظ ذاكرتها من النسيان، ومدينتها من الضياع، لتبقى القدس أمامها ولو على لوحة معلقة، كما بقيت فراشات حاراتها في ذاكرتها، لتُخلّد ذكراها كما خلّدها ابنها في لحن موسيقي سوناتي، وكما أوصت أن تُخلّد في القدس وفلسطين رمادا يختلط بتربة أرضها، بعد حرق جثتها بعد وفاتها. حلم العودة إلى الوطن المحترق والمسلوب، وقيم السلام الضائع بفعل أسطورة دينية، هو السرد عندما يستلهم من حياتنا ما يريد، كيف يريد، ليقول ما يريد… « لكن رمادي إذا وُضع في أمكنته الحقيقية، سيتسرب في قلب النباتات، والزهور وألوان الفراشات، وسأظل حية في تغريدة العصفورة، كما تحكي لي أمي، وفي شقائق وردة العشاق، وفي نسغ النباتات، نحن لا نموت عندما نختار موتنا». لا سبيل إلى الوطن إلا رمادا يختلط برماده، لا وجود لوطن بديل، الوطن في الرواية حلم مزمن، والمنفى معاناة دائمة، والعودة مشروع حياة جديدة، وميراث الأجيال كما «يوبا» ابنها، حكايات ومفاتيح منازل ربما لم تعد موجودة ولكنها مفاتيح للبقاء وللعودة.
للتاريخ حكايته، أرقام وتواريخ ومواثيق ومعارك وكواليس ومصالح، وأساطير… وللسرد حكايته، حكاية «مي» المهجّرة تقاوم وحدها لعبة التاريخ، تحمل وطنها وتحلم به، ترسمه وتحكي عنه، وتُلوّنه وتُشكل ملامحه، وتترك وصايا عودتها ولو بقية جثة، كما تترك لوحاتها وألوانها وحكاياها وأنينها، وتترك ابنها يوبا يُحقق حلمها بنثر رمادها على تربة مدينتها لترتاح روحها المعذبة، ويهديها مقطوعته السيمفونية بلحن خلودها وانتصار روحها على حكاية التاريخ التراجيدية، في انحياز لحكاية الإنسان.
الرواية مفتوحة على القراءات والتأويلات، ومفعمة بالبؤر السردية ولا تخلو من اختراقات تاريخية أو إيديولوجية، كما أنها مفعمة بشعرية لغوية وتكثيف مضموني وسردي، أحيانا يلامس الإطناب، ولكننا نريد أن نقرأ الرواية من خلال تعاملها الفني مع الفن ولو بإيجاز مفيد، ذلك أن الفن بما يكتنزه من دلالات، وما يُميزه من عالمية لغته، وإنسانية تعبيراته، وثراء أشكاله، وتنوع أجناسه، واشتراك الشعوب في تراثه، جعل السرد بما يملكه من تلك القدرة على تسريد العلامات، واتساع مفهومه إلى كل الخطابات والنصوص، بإمكانه استنطاق الإبداع الفني وتسريد مضامينه ونقل جمالياته وحمل شعريته عبر اللغة السردية، ولعل ما يميز الأديب واسيني في كتاباته هو هذا التفنن السردي، باستلهام وإدماج لغة الفن ضمن خطابه السردي حيث عمل على إثراء لغته السردية بضيافة السرد للفن، عبر استعمال لغة الفن المحترفة، من موسيقى ورسم تشكيلي ورقص ومسرح وغيره من الفنون.
الرواية بحاجة إلى تخليد مضمونها السردي، من خلال سرد يمتلك آلياته الفنية ويتحكم في لغته الجمالية، إن تخليد النص في لذته، والحكاية التي يستند إليها النص السردي «سوناتا لأشباح القدس» هي مخلدة واقعيا وهي جزء من يوميات العالم، ولكن بوصفها السردي بحاجة إلى فنيات عالمية تُعطيها ذلك الزخم الإنساني، ليس فقط من مرجعها التاريخي والواقعي وحكايتها الإنسانية، من خلال حكاية «مي» وعائلتها، وعبرها آلاف العائلات الفلسطينية، ففي النهاية هي حكاية وطن، هي مرثية الإنسان وصرخة سردية لأوجاع مزمنة، كيف تصل هذه اللذة النصية من دون لغة عالمية؟ أليس الفن لغة عالمية، إنه يملك غواية فاعلة لسرد الإنسان، خصوصا عندما تسقط كل الأسلحة، وأمام كل الهزائم، مثلما لم تجد بطلة الرواية إلا فرشاتها وألوانها ولوحاتها، «ولكنك يا يمّا تملكين أقوى أداة للحياة، الفن، القدرة على اللعب بالألوان على خلق حياة موازية جميلة ومثيرة للدهشة «. الإيمان بهذه القدرة للفن جعل السارد يعطي لشخصياته تلك الأسلحة الفنية لمواجهة واقع سرق منهم كل شيء، الأم الفنانة التشكيلية، والابن الملحن، وذاكرة مزخمة بالفن الشعبي الذي لا ينضب.
إن إصرار شخصيات الرواية على تخليد حكايتهم يعكس إصرار السارد على ذلك، بدءا ببناء عتبات الرواية، من وصايا أمي، وانتهاء بـ «مدوّنة الحداد» مرورا بسرد ما كان في «عطش البحر الميت»؟، وكأن التاريخ تفصيل، أمام الواقع وأمام تخليد المضمون في مواجهة النسيان والضياع وفرض الواقع، في لعبة سردية، في تلك الفراغات بين ماض يبدو عبر ذاكرة بعيدة تختصر المسافات الزمنية، وحاضر يواجه إشكالات الراهن المشوشة تجد «مي» في الفن حياتها ومهربها وألفتها بعيدا عن وحشة المنفى، وقسوة الواقع وقمعه عندما تحرم حتى من زيارة هذا الوطن، فتتفجر فيها مكامن الإبداع، المختزنة بالرغبات المكبوتة لمواجهة محرقة تسعى لمحو الذاكرة والإنسان والأرض. لذلك كان العنوان الأصلي للرواية « كريماتوريوم» بمعنى المحرقة، التي تزيل الألوان وتشوه المكان، وتغيّب الإنسان، ومن الأشياء التي تُعيد للمكان ألوانه القديمة وأشكاله الضائعة وأصوات ساكنيه الذين رحلوا سوى الحكاية التي تعيد بناء عالم «مي» وتحفظه من المحرقة، تعيد لشبحه الحياة والألفة، وتزيل عنه وحشته عبر ألوان ذاكرته وألحان وجوده وأحلامه وآمال العودة إليه.
كاتب فلسطيني
محمد حسن مرين