اختبار الشرطي والسائح هو أحد المقاييس الأكثر جدوى لقوة الدولة الديمقراطية. ففي دول العالم الثالث، حيث يفوق الفساد الديمقراطية، يعرف كل سائح من اليوم الأول أنه بالبقشيش تحل كل مشكلة. اجتزت الأحمر؟ علقت في مشادة؟ سرقت من دكان؟ المال يحل كل شيء.
خذوا مثلا البرازيل حيث تجرى هذه الأيام المباريات الاولمبية. تجولت هناك مرتين. في المناطق السياحية توجد قوانين متشددة، لا يعرفها معظم السياح إلى أن يلتقوا الشرطي. واحيانا يبادر الشرطي إلى اللقاء، وأحيانا يتورط السائح بمبادرته. وينتهي هذا دوما بدفع المال من جهة إلى جهة اخرى. وهكذا لم كانت الرشوة هي فرع اولمبي في جنوب أمريكا ـ فإن علاقات السياح والشرطة مرنة جدا.
اما في الولايات المتحدة بالمقابل، فالشرطي هو شخصية ذات صلاحيات. لا توجد مرونة بل صلابة. عندما توقفك سيارة دورة على الطريق، فانك لا تتحرك إلى أن تصدر لك التعليمات بذلك. وعندما يوقفك شرطي في الشارع تقف صامتا. لا تقترب من وجهه كي تشرح. هكذا يتعامل الأمريكيون مع قوات الأمن لديهم، وهكذا يتعاطى السياح الذين يصلون إلى الولايات المتحدة. ولا يهم من أين جاءوا. لن ترى هناك سياحا يتظاهرون امام الشرطة، يقتربون من اوجه الشرطة او الجنود، يشتمون، يبصقون او يستخدمون العنف ضدهم. لماذا؟ لان قيود قوة السائح معروفة. وهكذا، بالمناسبة، في معظم الدول الأوروبية والليبرالية ايضا.
اسرائيل هي ديمقراطية غربية مريحة للسائح. رجال قوات الأمن في اسرائيل ليسوا فاسدين، رغم أن اجورهم ليست عالية. الأمن هو نمط حياة هنا، ومع ذلك فشيء ما خرب.
في العقد الأخير اصبحت دولة اسرائيل موقع السياحة الأكبر في العالم لحقوق الإنسان. نشطاء ووفود تأتي من كل العالم «لصنع» حقوق انسان. ماذا يعني هذا؟ فنادق جميلة وترفيهات ليلية في تل ابيب، وفي الصباح بعض الحواجز أو المظاهرات. اسرائيل هي هدف مريح ليس بسبب البارات بل اساسا بسبب المرونة. الأمريكيون لا يسمحون بالتظاهر في غوانتانامو. الأستراليون لا يسمحون بالوصول إلى معتقلاتهم للمتسللين. ولا مجال للحديث عن الموقف من المتظاهرين الأجانب في الصين، تركيا (قبل وبعد محاولة الانقلاب)، السعودية ودول أخرى. قوات الأمن والشرطة هناك لا يحبون نشطاء حقوق الانسان. نقطة.
اما في اسرائيل بالمقابل، فمسموح كل شيء. بما في ذلك عمل نشطاء اليسار الراديكالي الذين يشاركون في حركة المقاطعة ضد اسرائيل. وهكذا وجد نفسه في نيسان 2012 ضابط في الغور، شالوم آيزنر أمام متظاهرين فعلوا كل شيء كي يخرجوه عن طوره. آيزنر، ضابط متميز، فقد هذا. ضرب متظاهرا من الدنمارك، وجمد، وعن حق من وظيفته. ولكن المعضلة المتعذرة بقيت.
هل كان متظاهر من الدنمارك يتجرأ على الوصول إلى مسافة سنتيمترات قليلة من وجه ضابط مارينز في فيرجينيا أو شرطية أمريكية في تكساس، فيلتصق بهما ويشتمهما؟ هل الاستفزازات التي يمكن رؤيتها في جنوب جبل الخليل ـ البصاق والدفع، كانت لتستقبل بهدوء من ضابط فرنسي أو شرطي بريطاني؟ الجواب هو لا. اما اسرائيل بالمقابل، فمرنة جدا. التوازنات والكوابح بين حرية التعبير والتظاهر وبين النظام العام واحتياجات الأمن ليست موزونة دوما في المكان الصحيح.
هذه المرونة يحاول الوزير جلعاد اردان تصليبها من خلال فكرة طرد النشطاء في منظمات المقاطعة ضد اسرائيل. المنطق واضح، غير انه مثلما في مبادرات أخرى فإن الفعل متعذر. فلا يمكن اعتقال الاشخاص على الافكار والنوايا. لا يمكن اعتقال السياح الذين شاركوا في مظاهرات في الخارج أو وقعوا على عرائض ضد اسرائيل. ما ينبغي عمله هو التعريف ما هو المسموح وما هو الممنوع. ما هي العرقلة للموظف العام ـ ضابط أو جندي. ما هي المسافة المسموح بها بين المتظاهر والشرطي أو الجندي، وما هي العقاب للنرويجي الذي يأتي لصنع الفوضى. من واجب الدولة الحرص على إلا يصل المتظاهرون المتطرفون إلى مسافة الهراء تجاه الشرطي او الجندي. هذا صحيح لسكان اسرائيل وصحيح للسياح. ولعله عبر السياح نتذكر كل الجماعات التي داخل الوطن والتي تمارس القوة والعنف فقط بسبب أن إسرائيل مرنة أكثر مما ينبغي.
يديعوت 9/8/2016
يوعز هندل