سياسة التوفيق في الخذلان!

تخيلوا لو أن مسؤول الاتحاد الأوروبي المكلف بالمفاوضات مع بريطانيا، ميشال بارنيي، طالب تيريزا ماي بإغلاق قنوات هيئة الإذاعة البريطانية، بي بي سي، باعتبار ذلك شرطا من شروط التوصل إلى تفاهم حول البركسيت! بهذه الطريقة الداعية لإعمال الخيال، حاول المراسل العالمي الشهير ومحرر الشؤون الدولية في تلفزيون بي بي سي جون سمبسون تقريب المسألة من أفهام الجمهور البريطاني. ذلك أن استماتة بعض الحكومات العربية في المطالبة بإغلاق قنوات شبكة الجزيرة مسألة هي من الشذوذ في الغرابة ومن «التوفيق في الخذلان»، حسب تعبير الجاحظ، بحيث أنها تبقى مستغلقة على فهم المواطن العادي في أي بلد غربي. ولذلك فإن جون سبمسون قدّر، محقّا، بأن الأمر لا يمكن أن يشرح إلا إذا تيسر الولوج إليه من باب الخيال السياسي.
وأعرب سمبسون عن الاستغراب لعدم إعلان أي من قادة الدول الغربية استنكاره لهذه الهجمة على حرية التعبير والإعلام، ولإشاحة كل منهم بوجهه حتى لا يرى ولا يسمع شيئا يعكر صفو البزنس والمبيعات والصفقات الفاضحات. وقال إن الجزيرة «قد تكون متهمة بالانحياز لحركة الإخوان المسلمين في مصر وسواها، إلا أنها تعتمد في عملها على صحافيين موهوبين كانوا من زملائي في البي بي سي، ودائما ما وجدت أن مواقفها موافقة للصواب». وأكد سمبسون أن الجزيرة صارت، ببثها العربي والانكليزي، من كبريات القنوات الإخبارية في العالم، حيث تقدم منظورا مختلفا عن القنوات الغربية الكبرى، وتحظى بنسب مشاهدة عالية.
يذكرني هذا الموقف المنصف، وغير المستغرب، من صحافي متميز من طراز سمبسون بالموقف النزيه الذي أعلنه قبل ثلاثة عشر عاما المسؤول الإعلامي في حكومة توني بلير. فقد اعترف ألستير كامبل في أيلول/سبتمبر 2004، بعد أن زار مقر الجزيرة في الدوحة، أنه كان في السابق «مخطئا بشأن الجزيرة». وقال إن البريطانيين لم يقدّروا مدى التغيير الذي أحدثته الجزيرة في البلاد العربية حق قدره، ونبه إلى أن تأثير هذا التغيير هو سبب تنديد الأنظمة العربية بهذه القناة. كما أكد أن المشاهد الغربي لا بد أن يلحظ أن الجزيرة تتناول الأحداث من منظور عربي بلا خجل ولا وجل، خصوصا في الشأن الفلسطيني 1 الإسرائيلي.
أما قبل أن يكتشف ألستير كامبل، الذي كان صحافيا من عتاة الصحافة الشعبية الصاخبة في فليت ستريت (وقد كان هذا مما حدا بتوني بلير إلى أن يستميله ويعهد إليه بالإشراف على حملته الانتخابية، ثم بإدارة السياسة الإعلامية لحكومته بعد 1997)، أنه كان مخطئا، فقد حدث له أن أعرب مرارا عن استياء الحكومة البريطانية من تغطية الجزيرة للغزو الأمريكي للعراق عام 2003. إذ كان الاستياء الرسمي من الجزيرة هو سيد الموقف ليس في أمريكا فحسب، بل وفي بريطانيا أيضا. حيث أن الكثيرين في مختلف أنحاء العالم يذكرون أن جورج بوش خطرت له فكرة قصف مقر الجزيرة في الدوحة في نيسان/ابريل 2003، قبل أن يثنيه توني بلير عن عزمه، حسبما تأكد من ايميلات 10 داوننغ ستريت الداخلية التي حصلت عليها ونشرتها جريدة دايلي ميرور.
ولكن لعل الكثيرين نسوا أن وزير الداخلية البريطاني السابق ديفيد بلانكت قد أعرب في مجلس الوزراء عن بالغ حنقه من الجزيرة، وحث توني بلير على إصدار الأمر للجيش البريطاني بقصف أجهزة إرسال الجزيرة في بغداد. والمسوغ في رأيه هو أن الجزيرة كانت تبث «دعاية» معادية وأن «هذه حرب، ولا يجوز زمن الحرب فسح المجال لتمادي البروباغاندا المعادية». وبما أن للدول الاستعمارية تاريخا حافلا في مجال الغزو والاحتلال، وبما أن منع كل ما يعوق مجهودها الحربي أثناء حملات الغزو يعدّ من الأعمال المنطقية عسكريا، فإن بلانكت قال عام 2006، في سياق شرح موقفه أثناء غزو العراق، إنه لا يعتقد «للحظة واحدة أننا في حروبنا السابقة كنا سنضطر للتفكير مرتين بشأن عمل ما يلزم لمنع استمرار البث الدعائي ضدنا انطلاقا من بلاد نحن بصدد احتلالها»!
والذي حدث هو أن قوات الغزو الأمريكي قامت، بعد أسبوعين فقط من إسداء بلانكت «نصيحته» هذه لبلير، بقصف مكتب الجزيرة في بغداد، ما أدى إلى استشهاد المراسل الشاب طارق أيوب عليه رحمة من الله ورضوان.

٭ كاتب تونسي

سياسة التوفيق في الخذلان!

مالك التريكي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية