سياسة ترامب الفلسطينية لا تستحق الثناء

حجم الخط
0

اللعنة الصينية القديمة «نأمل أن تعيشوا في أوقات مهمة»، التي في الحقيقة هي ليست صينية، تتحقق أمام ناظرينا في كل العالم. عندما يهدد الرئيس الأمريكي خلال ساعات معدودة كوريا الشمالية بتدمير نووي، ويهدد الفلسطينيين بتدمير اقتصادي، ويهدد الباكستان «الكاذبة» بوقف المساعدات عنها، ويهدد وسائل الإعلام في احتفال غريب أنه سيعلن من هم الصحافيون «الأكثر فسادا وغير المستقيمين»، فلا شك أن كل العالم يمر بتجربة ممتعة لا مثيل لها. إذا انتهى هذا الأمر بسلام فإن «محبي الذات» سيضطرون إلى إعادة النظر في كفرهم بعدم وجود الله.
التغريدات الهجومية الجديدة لترامب هي وليدة ثقته الزائدة بالنفس. تمرير الاصلاح الضريبي الشامل للجمهوريين رفع أسهم ترامب على الصعيد الداخلي، في حين أن الأحداث في إيران والإشارات التصالحية التي ترافق تهديدات كيم جونغ اون تؤكد المقاربة الهجومية على الصعيد الدُّولي. ترامب ليس وحده الذي يستطيع بسهولة التوصل إلى استنتاج أن أسلوب الفتوة المهدد يحقق نتائج. إذا كان يستطيع كسب النقاط عن السنة التي لم تكن فيها حوادث طائرات، باعتبارها السنة الأكثر أمنا في التأريخ، التي ليس له علاقة بها، فإنه يستطيع بالتأكيد التفاخر بالأحداث في إيران واقتراحات بيونغ يانغ التي بيقين لم يكن له دور في التأثير فيها. بالنسبة لنموذج مثل ترامب فإن شعور منتقديه المتشككين هو مثل حقنة الادرينالين، التي تعطيه النشاط للذهاب أبعد من ذلك بنجاعة، وإذا صدق المتشائمون فهو سيذهب إلى نشاطات أكثر خطورة.
إذا كانت دول قوية مثل كوريا الشمالية وإيران هي مثل الورقة، قال ترامب، فماذا سيقول الفلسطينيون المساكين الذين فقد العالم الاهتمام بهم والعالم العربي أيضا؟ كونه يقدس القوي ويحتقر الضعيف، فإن ترامب قاسٍ تُجاههم بشكل خاص، فقد وضع أصبعه في أعينهم وهو يريد منهم أن يقولوا له شكرا، بعد اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل غرد بشكل مفاجئ، خلافا لتصريحاته السابقة، إن مستقبل المدينة شطب من جدول الأعمال. بعد ذلك وبهجوم مشترك مع وزيرته ذات الشعبية في الأمم المتحدة، نيكي هيلي، هدد الفلسطينيين بأنه إذا لم يعودوا فورا إلى العملية السلمية التي يقودها الرئيس الأمريكي، الذي داس احترامهم للتو، فإنه سيخنقهم ويخنق ملايين اللاجئين من خلال وقف المساعدات الأمريكية للسلطة الفلسطينية ومساعدات وكالة غوث اللاجئين.
ترامب ينفذ فقط نصف التوصية المشهورة للرئيس روزفلت، التحدث بلطف وحمل عصا طويلة. هو ليس فقط يتجول وفي يده عصا طويلة، بل يتفاخر بها بسهولة ويهدد بأنه إذا لم يستجيبوا لمطالبه فهو سيستخدمها أيضا. ترامب يخرق قواعد السلوك الدُّولي المتبعة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، في الأقل في العالم الغربي، في إهانته العلنية، بتهديداته النووية، باستعداده لرفع السوط الأمريكي على كل من يتمرد، وبإعلانه المتحدي بأن أمريكا تهتم منذ الآن بأمريكا فقط. في إسرائيل وفي الولايات المتحدة هناك كثيرون يعتقدون أن الأمر يتعلق بتكتيك «أبو علي» الموجه الذي يستطيع هو أو مستشاروه وقفه في الوقت المناسب، ولكن في أوروبا وفي أرجاء العالم تزداد التخوفات من أن ترامب لا يتظاهر بأنه زعيم مجنون، كما هو مفصل في أبحاث العلوم السياسية، لكن كوابحه ضعفت تمامًا.
على اعتبار أنه كرس كل حياته لتحقيق الأرباح، فإن ترامب يرى العالم من خلال الدولار. وكمن هو معروف بأسلوب إدارة استغلالي ووحشي، فهو يتوقع خضوع من يعملون لديه بشكل كامل. ومن بينهم ليس فقط موظفو الإدارة بل أيضا قضاة ومشرعون وصحافيون، والاستجابة لمطالبه من جانب كل أولئك المرتبطين به من أجل مصدر رزقهم، من الناتو وحتى الأمم المتحدة، من رام الله وحتى مكسيكو سيتي. هو يهدد بوقف الأوكسجين الاقتصادي عن كل من يرفض السير في التلم، مثل مقولة المندوب السامي افلين باركر الذي اعتبر لاسامي، أنه من اجل ضبط اليهود يجب ضربهم في جيوبهم. حسب رأي ترامب هذه القاعدة تسري على كل العالم، باستثناء القادة الأقوياء الأفراد الذين ينتمي ترامب لهم، من فلادمير بوتين في روسيا ومرورا بشي جينغ بن في الصين وانتهاء بقاتل الشعب رودريغو دوترتا في الفلبين.
ترامب يعتقد أن العالم يعرف فقط لغة القوة. هذا صحيح تماما بالنسبة للفلسطينيين الضعفاء، هذه مقاربة بالتأكيد تتم تغذيتها من قبل مؤيديه في اليمين الصقري والافنغلستيين في أمريكا وحلفائهم الأيديولوجيين في إسرائيل، بدءا بنتنياهو ومن هم دونه. ربما أن ترامب متفاجئ وحتى محرج من الانتفاضة السياسية التي بدأها الفلسطينيون في أعقاب اعترافه أحادي الجانب بالقدس عاصمة لإسرائيل، التي حظيت بالتأييد الدُّولي، ومن أجل قمعها يهدد الآن باستخدام قوة أكبر والمس بصورة فعلية بالسلطة الفلسطينية واللاجئين في الشتات. ربما ترامب يعتقد أن خطر الانعزال السياسي والخنق الاقتصادي سيعيد الفلسطينيين إلى طاولة المفاوضات، لكن عندما يتم فحص تهديداته الأخيرة مع القانون في الكنيست بشأن القدس وقرار الليكود بشأن ضم الضفة الغربية، يصعب الهرب من الشك بأن الأمر يتعلق بمؤامرة عابرة للأطلسي لتفكيك السلطة وإلغاء حل الدولتين نهائيًا.
السؤال هو هل صورة الوضع الحالية تبين أن مقاربة ترامب المعاكسة تماما لنظرية سلفه براك أوباما، تبدأ في إعطاء النتائج، أو أنها تشبه رد من قفز من طابق عال وسئل عن حالته في طريقه إلى أسفل وأجاب «حتى الآن كل شيء ممتاز». إن السلوك العدائي وشبه المجنون لترامب ناجع طالما أنه يعرف كيف يضع له حدودا، وطالما أنه لا يجر سلوكا مشابها من قبل أعدائه. إذا تنازلت كوريا الشمالية وتمرد الإيرانيون وتحول الفلسطينيون إلى ولد جيّد فإن استقامة ترامب ستحظى بإثبات أبدي. وإذا حدث العكس ووجدت أمريكا نفسها في مواجهات متصاعدة، السباق النووي سيتسارع والفلسطينيون سيتمردون ويتفككون وربما يضعون أملهم في حماس أو داعش، عندها ستكون النتيجة أن مراهنة ترامب قد فشلت وإسرائيل هي أول من سيدفع الثمن. حينها سيكون الوقت متأخرا من أجل الانسحاب، لكن في الأقل يمكن أن نكون متأكدين وواثقين من أن ترامب ونتنياهو سيزعمان أن هذا الانهيار لم يأت بسبب الخطوات العدائية، بل بسبب النشاط التآمري ليساريين ووسائل إعلام معادية.

هآرتس 4/1/2018

سياسة ترامب الفلسطينية لا تستحق الثناء
تهديدات واشنطن بوقف مساعدات الفلسطينيين الاقتصادية يلغي حل الدولتين كليا
حيمي شليف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية