سياسة مترشحي الانتخابات الرئاسية الفرنسية الخارجية : مواقف إيمانويل ماكرون

اسبوعان يفصلاننا عن الانتخابات الرئاسية، فيما تتواصل حملات المترشحين بين تجمعات في عموم البلاد ومناظرات تلفزيونية ومقابلات إذاعية، كما في الصحافة المكتوبة.
لكن في خضم لقاءات تدور في الأغلب حول الشأن الداخلي ولا تتعداه أو بالكاد، يصعب على من يرغب في الاطلاع من خارج فرنسا على ما يجري داخلها، التعرف بدقة على أبرز ملامح برامج السياسية الخارجية للمترشحين، فحسنا فعلت إذاعة فرنسا الدولية، حينما اقترحت برنامجا موضوعاتيا يركز فيه المترشح على الشأن الخارجي دون سواه. أما المترشحون، فقد كان اداؤهم التفاعلي أقل بحيث لم يلب الدعوة على ما يبدو سوى اثنين، هما إيمانويل ماكرون وفرانسوا فيون.
إيمانويل ماكرون كان أول المستجيبين لدعوة المشاركة في برنامج «قضايا دولية وافريقية» من إذاعة فرنسا الدولية، ليتفاعل اولا مع الموضوع السوري ومأساة خان شيخون تحديدا، بتحليل اعتمد على تصنيف مدقق للأولويات حسب درجتها من الاسبقية.
«للشعب السوري عدو هو بشار الأسد، ولفرنسا عدو هو «داعش» وجماعات إرهابية جهادية اخرى». قال ماكرون، من دون إغفال، بطبيعة الحال، أن «داعش» والجماعات الإرهابية الأخرى عدو مشترك لفرنسا والشعب السوري. 
لا جديد في الأمر قد يقول قائل، صحيح من حيث الوقائع، لكن من حيث المنهاج من الواضح أن مسألة رحيل الأسد، التي لا يختلف فيها ماكرون تمر عبر «تجاوز عجزنا الجماعي حتى نتمكن من توحيد صفوف دبلوماسية متعددة الأقطاب، ذات جبهات مبعثرة – ما يعني ضرورة فتح قنوات للحوار مع روسيا وايران.
كما لا يمكن إغفال أن «إضعاف جهاز الدول يشكل عائقا أمام إيجاد الحلول»، وهنا إشارة واضحة إلى ضرورة الإبقاء على قنوات مفتوحة مع النظام السوري في مسار المحادثات المؤسس لمرحلة ما بعد الأسد الانتقالية. 
«خريطة طريق إدماجية» يقول ماكرون، في إشارة واضحة إلى ضرورة ضم جميع الأطراف إلى مسلسل تفاوضي لضمان «سياسة ادماجية»، يأخذ في الحسبان أن التدخل العسكري لا يمكن أن يشكل حلا على المدى البعيد. 
الاتجاه نحو «مقاربة اوروبية مستقلة» بات من الثوابت التي يريد ماكرون أن يؤسس على صرحها دبلوماسيته. وهي النبرة نفسها التي تتكشف من الخطوط العريضة التي أعلنها في موضوع السياسية السورية، كما يستشف، في خضم حديثه عن بوتين، من إعرابه عن عدم «افتنانه بالقوة»، في إشارة إلى وجوب تطبيق، على الطرف الروسي، مبدأ مراعاة الاتفاقات الدولية، مثل اتفاقيات «منسك» و»رباعية نورماندي» بشأن القضية الأوكرانية. «عدم الأنبهار بمن يستعرض العضلات»، يصب أيضا في اتجاه عدم تورع المترشح المستقل بالتنديد بما سماه «اللا اخبار» أو «ما وراء الحقائق»، وفق تعبير بات سائدا للدلالة على ما تروجه جهات روسية (واخرى) من مغالطات تلجأ – في ما تلجأ – إلى تعطيل أجهزة التواصل المعلوماتية لبثها.
اختبار مدى تماسك المبادئ الأوروبية وصمودها محور من محاور سياسة ماكرون الأساسية إذن، وهنا يعود إلى الواجهة تأكيد المسؤولين السياسيين الفرنسيين على الدور الأساسي الذي يسندونه لما يسمونه «الزوج الفرنسي- الألماني». لكن الزاوية هنا تظل اقتصادية، رغم فوارق النمو بين البلدين، مما يستدعي تعزيزا لتصور فيدرالي يقوم على تجميع الديون، لا يتنافى في الوقت نفسه مع احترام سيادة الدول، كما لا يتعارض مع الصعوبات التي تواجهها بعض البلدان، مثل بولندا، في التأقلم مع عملة اليورو. من هنا أهمية التوفيق الاجتماعي والضريبي بين دول الاتحاد عن طريق تأسيس حكومة أوروبية، تعتمد على وزير أوروبي للموازنة «لامتصاص الصدمات اللامتماثلة بين الدول» يقول ماكرون. 
هذا في الوقت الذي تترك فيه دبلوماسية دونالد ترامب فراغا أو على الأقل صعوبة في قراءة خطوطها الأولية، يقرا فيها ماكرون انعزالية تتمثل في مراجعة اتفاقيات التجارة وتغير المناخ. وهنا يتضح أن تصور ماكرون للدبلوماسية الأوروبية لا يطرح انعزالية في وجه انعزالية أخرى أمريكية، بل يؤكد على ضرورة «إعادة إرساء أوروبا داخل الكتلة الأطلنطية» بطريقة تضمن في الآن معا الحاجة الماسة إلى التعاون الاوروبي – الاطلنطي، خاصة في المجال الاستخباراتي والدبلوماسي والعسكري – ولكن من دون التفريط بثوابت استقلال الكتلة الأوروبية كقوة. 
ويرى ماكرون في الانسحاب الأمريكي من مناطق النزاع الفعلية أو المحتملة مجالا يجب أن تستغله أوروبا، عبر تسهيل نظام عمل منظمة حلف الشمال الأطلسي، كباكورة سياسية اوروبية أكثر جرأة ترتكز على تعاون منسق يتصدى لخطر الإرهاب، يعقلن قضية اللاجئين ويساهم في تثبيت الاستقرار في مناطق النزاع في الشرق الأوسط وافريقيا. يمر هذا الطرح عبر إعادة هيكلة الجيش الذي فقد 54000 وظيفة خلال السنوات الأخيرة. كما على أوروبا أن تواجه تحدي الهجرة والأمن عبر تصور جماعي لطلب اللجوء والتبادل البيوميتري للمعلومات، في الوقت الذي يمثل ضمان تنقلات العمالة الحدودية اليومية تحديا آخر من التحديات المطروحة للاتحاد.
كما لم يفت المترشح ان يتناول موضوع البريكست فذكر أن أي خطوة تخطوها بريطانيا للاستفادة من السوق المشتركة تمر عبر الخضوع لقوانين الاتحاد والمساهمة في ميزانيته. كما ركز ماكرون على أهمية العلاقات الفرنسية البريطانية المشتركة، بضرورة الالتزام باتفاقية «لوتوكيه» لضبط الهجرة والأمن بين البلدين، خاصة بعد إخلاء مخيم «الغابة» من المهاجرين في مدينة كاليه الفرنسية. وتنخرط معاهدة «لانكاستر هاوس» في سياق التعاون الأمني بين البلدين على النمط ذاته، خاصة في ما يتعلق بملف «إعادة قبول» المهاجرين. 
ما يفرق ماكرون عن باقي المترشحين أن تركيزه بإصرار على السياسة الأوروبية يضع في قلب مشروعه الالتفات إلى ما يسميه «الواجهة الجنوبية للمتوسط» في سبيل تدارك – على حد تعبيره دائما – أخطاء «الاتحاد من أجل المتوسط» الذي أنشأه نيقولا ساركوزي، والذي أبقاه «بصورة مفرطة» في تقدير ماكرون «في إطار قيادة فرنسية ضيقة». ومن أجل تنفيذ مشروعه هذا يرفض ماكرون مبدأ تصور العلاقات بين إفريقيا والقوى الغربية، خاصة منها فرنسا وروسيا على شكل «مناطق نفوذ» تمدد ما هو مرسوم تقليديا على مقاس «يسند منطقة الشرق الأوسط لروسيا، وشمال إفريقيا لفرنسا». تقاسم التعاون وليس اقتسام مناطق نفوذ شرط أساسي للدفع بمسلسل السلام قدما في منطقة تعاني «الفيات» من النزاعات حسب تعبير مترشح حركة «إلى الأمام»، وهي، يضيف، منطقة من المستحيل أن تعدها «كلا متماسكا».
لكن نزاعات منطقة الشرق الأوسط وضرورة تأسيس سياسة اوروبية تسمع صوتها في المحافل الدولية، لا تمثل سوى ركيزة من ركائز توجهات ماكرون، فثمة ركيزة أساسية أخرى مبنية على ما يسميه ماكرون «التنمية الداخلية لافريقيا» وهي صيغة ترى نفسها أكثر فعالية وتنفيذا مما كان يسمى آنفا بـ»التنمية المشتركة». فالفكرة تنطلق من تطوير للبنى التحتية يرسخ فعاليات البلد نفسها من دون الاعتماد على من ينعتهم المترشح المستقل بـ»الشركاء المعتادين» وهو يلمح بهذا التعبير إلى الشركات والمؤسسات المتوسطة والصغرى غير المحلية، فالدعم يجب أن ينصب من الآن فصاعدا على الجامعات وطلابها والمقاولين المحليين وايضا على العنصر النسوي.
دعوة ماكرون إذن إلى «تدعيم القطاعات الحيوية في إفريقيا وتشجيعها» إنما هو تطبيق لدعوة أشمل وأوسع نطاقا تصنع سياسة دولية تركز على تشجيع القطاعات الحيوية على أكثر من مستوى: سياسي، اقتصادي، اجتماعي وتنموي.
باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي

سياسة مترشحي الانتخابات الرئاسية الفرنسية الخارجية : مواقف إيمانويل ماكرون

بيار لوي ريمون

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية