سياسة واشنطن العربيّة في عهد الرئيسة هيلاري كلينتون (لو تأكد فوزها)

ثمة فريق سياسي في المنطقة العربية سوف يتنفّس الصعداء بالتأكيد لو تأكد انتخاب هيلاري كلينتون رئيسة للولايات المتحدة الأمريكية. يتألف هذا الفريق من أعضاء المعارضة السورية الذين ما زالوا يراهنون على واشنطن كي تقلب المعادلة على الأرض لصالحهم. فقد عاش أعضاء هذا الفريق الأيام الأخيرة للمعركة الانتخابية الأمريكية وهم يحبسون أنفاسهم قلقاً من أن يفوز الرجل الذي دعا إلى القبول ببشّار الأسد كأهون الشرور والتعاون مع روسيا لهذا الغرض، وجعل التحريض ضد اللاجئين السوريين الممزوج برهاب الإسلام ركناً رئيسياً في حملته.
أما هيلاري كلينتون، فمن المعروف، من خلال التحقيقات الصحافية والمقابلات وأيضاً المذكرات التي كتبتها عن السنين التي مضتها في منصب وزيرة الخارجية خلال رئاسة باراك أوباما الأولى (2009ـ2013)، أنها كانت من أنصار الرأي القائل بضرورة تصعيد واشنطن لدعمها للمعارضة السورية المقبولة أمريكياً بغية خلق ميزان للقوى يفرض على آل الأسد وأسيادهم الإيرانيين والروس القبول بمساومة تنقذ النظام لقاء تنازل بشّار عن الرئاسة. وقد رفض أوباما هذا الرأي لخوفه من التورّط في مستنقع سوري في الوقت الذي كان ينسحب فيه من المستنقع العراقي، فاستمرّ وبعناد مذهل يراهن على قبول آل الأسد بالمساومة من خلال «المساعي الحميدة» التي بذلها مبعوث دولي بعد آخر، مع الأمل الساذج بأن موسكو سوف تضغط لصالح مثل تلك التسوية على غرار وساطتها في قضية السلاح الكيماوي، عندما طلبت من دمشق تسليم عتادها الكيماوي للحؤول دون تنفيذ أوباما مرغماً لوعيده بتوجيه ضربة عسكرية للنظام السوري في حال استعمل ذلك العتاد من جديد.
وقد حصلت تلك الوساطة في السنة الأولى من رئاسة أوباما الثانية ولا بدّ أنه رأى فيها تأكيداً لسلامة مراهنته على روسيا بينما الحقيقة هي أن تلك الحادثة إن أثبتت شيئاً فهو أن الرأي الذي تبنّته كلينتون كان هو السليم، إذ أن موسكو لم تحثّ دمشق على الاستسلام والتخلّي عن العتاد الكيماوي إلا لأنها أدركت أن تنفيذ واشنطن لوعيدها كان ينذر بتشكيل صدمة من شأنها ضعضعة صفوف النظام السوري بما يهدّد بانفراطه وسقوطه. فقد تبيّن أن التهديد الجدّي باستعمال القوة كافٍ بحد ذاته لجرّ النظام وأسياده إلى الاستسلام من دون حتى الانتقال إلى التنفيذ. أما قراءة أوباما ووزير خارجيته جون كيري للوساطة الروسية فهي التي جعلتهما يرحّبان بالتدخل العسكري الروسي المباشر في سوريا في أيلول/ سبتمبر 2015 بحجة أنه سوف يسهم في محاربة داعش ويخلق واقعاً على الأرض يسمح لموسكو بتحجيم نفوذ طهران ودفع عجلة التسوية المعطّلة. والكلّ يعلم كم كانت تلك المراهنة كارثية بالنسبة لمسار الأوضاع في سوريا.
إلى هذا الرصيد الذي جعل المعارضة السورية الرسمية تنظر إلى هيلاري كلينتون بأمل كبير ينضاف أنها تكنّ لفلاديمير بوتين عداءً عميقاً، لا سيما بسبب سعي الأجهزة الروسية للتأثير على مجرى الانتخابات الأمريكية لصالح دونالد ترامب. فمما لا شك فيه أن كلينتون ستعتبر أن أولوية أولوياتها في السياسة الخارجية هي تحجيم روسيا ومعاقبة بوتين على سلوكه «سياسة القوة» في السنين الأخيرة ومنذ الأزمة الأوكرانية بوجه خاص، مستفيداً من قلّة شغف نظيره الأمريكي أوباما على ممارسة ذاك النوع من السياسة.
هذا وتتذكر المعارضة السورية الرسمية التي تلعب فيها جماعة الإخوان المسلمين دوراً محورياً أن هيلاري كلينتون، عندما كانت وزيرة للخارجية، أشرفت على سياسة المراهنة الأمريكية على الجماعة ومشتقاتها على امتداد المنطقة العربية كسبيل مفضّل لاحتواء الانتفاضة العربية والحؤول دون تطور الأمور باتجاه مضاد للمصلحة الأمريكية. ومن المرجّح أنها سوف تستمر في الدفع بتلك السياسة التي تجسّدت في مساعي واشنطن للإشراف على المصالحة والائتلاف بين رجال الأنظمة القديمة والإخوان المسلمين، لا سيما في الساحات التي انزلقت فيها الأمور إلى مستوى الحرب الأهلية. ولتلك السياسة حتى الآن نجاحان بارزان في المنطقة هما المغرب وتونس.
هذا الأمر عينه هو سبب قلق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي من فوز هيلاري كلينتون وهو بات يمثّل السياسة النقيضة على المستوى الإقليمي، سياسة التصدّي العنيف للإخوان المسلمين. وهذا مما أدّى إلى تصاعد الخلاف بينه والمملكة السعودية التي تبدّل موقفها في ظل العهد الملكي الجديد منتقلاً من الانسجام مع السيسي إلى حد دعمه دعماً كاملاً عندما أطاح محمد مرسي من الرئاسة المصرية إلى سياسة باتت تسعى وراء رصّ صفوف الإسلام السنّي التقليدي في وجه النفوذ الإيراني المتصاعد بالتوازي مع النفوذ الروسي. والحال أن نظام السيسي سار خطىً حثيثة في الآونة الأخيرة نحو التقارب من محور موسكو ـ طهران ـ دمشق على خلفية تصاعد الخلاف بينه والسعوديين. ومن المرجّح بالتالي أن يتصاعد التوتّر بين القاهرة وواشنطن في ظل الرئيسة كلينتون لو تأكد فوزها.
والحقيقة أن لا موسكو ولا طهران ولا القاهرة قادرة على مواصلة سياسة تصدّي في وجه موقف أمريكي متشدّد إذ أن الدول الثلاث تفتقد إلى «عصب الحرب» ألا وهو القدرة الاقتصادية. وهنا تنجلي أهمية المملكة السعودية كحليف استراتيجي للولايات المتحدة. فإن حرب أسعار النفط التي تخوضها المملكة ضد إيران وروسيا منذ سنتين تؤتي ثمارها بشكل متزايد. ولا شك في أن الاختناق الاقتصادي كان سبباً أساسياً لاستسلام طهران في الموضوع النووي، بما رجّح كفّة الجناح الإصلاحي في الحكم الإيراني على حساب الجناح المتشدّد في ذلك الملفّ (إلا أن هذا الأخير عوّض عن التنازل النووي بتصعيد تدخّله العسكري الإقليمي). وقد باتت موسكو تختنق بدورها وهي مضطرة لتخفيض موازنتها بما فيها الاعتمادات العسكرية، الأمر الذي يشير إلى عدم قدرة روسيا على الاستمرار طويلاً في تصعيدها العسكري في سوريا. أما مصر، فحالتها الاقتصادية في تدهور شديد وقد قرر الحكم المصري الغوص في السياسة النيوليبرالية الفجّة التي حثّه عليها صندوق النقد الدولي، وهي بمثابة هروب إلى الأمام ينذر بنتائج وخيمة، لا سيما مع تصاعد النقمة الشعبية. إن سياسة واشنطن العربيّة في عهد الرئيسة هيلاري كلينتون (لو تأكد فوزها) ستشهد بالتأكيد عزماً على ترجيح جديد لكفّة واشنطن في ميزان الهيمنة الإقليمية الذي بدا لوهلة وكأنه أخذ يميل لصالح موسكو وطهران.

٭ كاتب وأكاديمي لبناني

سياسة واشنطن العربيّة في عهد الرئيسة هيلاري كلينتون (لو تأكد فوزها)

جلبير الأشقر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية