بيروت ـ «القدس العربي»: في وقت ينهي الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون ولايته الثانية والأخيرة في نهاية العام العام، ومع إعلان رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة الدانماركي موجينس ليكيتوفت، ورئيسة مجلس الأمن السفيرة الأمريكية سامنتا باور في رسالة مشتركة من الدول الأعضاء، تقديم مرشحين لهذا المنصب في أقرب وقت ممكن داعين النساء على غرار الرجال لتقديم ترشيحهن، فإن أوساطاً سياسية وأكاديمية في بيروت تسأل مع رئيس الجمعية العامة «هل تتولى إمرأة للمرة الأولى منصب الأمين العام بعد 8 أمناء عامين ذكور؟».
وحسب معلومات «القدس العربي» فإن ما يدعو الأوساط اللبنانية إلى متابعة انتخابات الأمين العام للأمم المتحدة هو إعتقادها بوجود سيدة مؤهلة لتولي هذا المنصب هي المنسّقة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في لبنان الهولندية سيغريد كاغ ( 54 سنة) التي أثبتت قدرتها على التعامل مع التحديات السياسية والأمنية في ظل الأزمات المصيرية التي يمرّ بها لبنان والمنطقة والتي وضعت هذه المنطقة على عتبة تحولات كبرى.
ويرى أهل السياسة في لبنان وأكاديميون أن الأمم المتحدة إذا كانت تتطلع لاختيار إمرأة تمثل بشخصيتها قامة سياسية تتولى قيادة عالم متعدد القطب وتجمع في ذاتها مواصفات الزعامة والقدرات الإدارية والخبرة الطويلة في العلاقات الدولية والموهبة الدبلوماسية وتعدد اللغات والاتصالات، فما على السلطات الهولندية سوى ترشيح سيغريد كاغ التي تتمتع بخبرة وفيرة في الشؤون السياسية والإنسانية والتنمية والسلك الدبلوماسي وبإستطاعتها المنافسة بقوة على منصب الأمين العام.
فعلى صعيد الزعامة، لاحظ سياسيون لبنانيون من مختلف الانتماءات وخصوصاً أقطاب الصف الأول الذين تسنى لهم عقد لقاءات مع المسؤولة الدولية أن كاغ تتمتع بكاريزما نادراً ما يتمتع بها نظراؤها في هذا المنصب. ولمسوا أنهم يتعاملون مع شخصية دولية من الطراز الأول وبالتالي بدّلوا فهمهم لما يمثّله موقع ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في لبنان.
وعلى صعيد القدرات الإدارية، فإن كاغ التي تعتبر السلطة العليا في منظمات الأمم المتحدة العاملة في لبنان تدير هذه المكاتب الناشطة في دعم الحكومة اللبنانية ومساعدتها على حل أزماتها وآخرها النفايات، كما تساعدها في تنفيذ مشاريع التنمية المستدامة وفي تجاوز أخطر أزمة اجتماعية وديمغرافية يعانيها لبنان وهي أزمة النازحين السوريين.
وعلى صعيد الخبرة الطويلة، فإن كاغ لا شك أنها اكتسبت خبرة إضافية في عملها في لبنان البلد المتشعب الأزمات والمعقّد من حيث تركيبته الطائفية والمذهبية ومن حيث أزماته التي لا يوجد مثيل لها في العالم ومن بينها أزمة الشغور في رئاسة الجمهورية والشلل في البرلمان والصراع السياسي داخل الحكومة. وتُضاف هذه الخبرة في لبنان إلى سجلات كاغ التي سطّرت نجاحاً تلو نجاح في مهماتها الدبلوماسية التي بدأتها في الأمم المتحدة منذ عام 1994. ثم ارتقت المراتب لتصير المسؤولة الثانية لدى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فمديرة إقليمية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في صندوق الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسيف». وقبل ذلك، تولت مناصب في وكالة الأمم المتحدة لغوث اللاجئين الفلسطينيين وتشغيلهم في الشرق الأدنى «الأونروا».
وعلى صعيد الموهبة الدبلوماسية، تعتبر كاغ من أبرز السفراء ورؤساء البعثات الدبلوماسية في لبنان وهي تحتل صدارة الحركة الدبلوماسية إلى جانب أبرز السفراء المؤثرين على الساحة اللبنانية كالسفير السعودي علي عواض العسيري والسفير الإيراني احمد فتحعلي والقائم بالأعمال الأمريكي ريتشارد جونز. ولا يستغرب سياسيو لبنان أن تتميّز السفيرة كاغ وهي التي برعت في مهمتها لتدمير ترسانة الأسلحة الكيميائية في سوريا متحدية القذائف ومتنقّلة بين الشرق الأوسط وأوروبا ونيويورك ومجرية اتصالات مع موسكو وواشنطن والأساطيل البحرية لتثبت في النهاية أنها سيدة الوظائف المتعددة في كثير من الأحيان، وخصوصاً حيث يعجز الرجال، ما دفع البعض إلى الاعتقاد أنها قد تخلف الأخضر الابراهيمي في منصب الوسيط لعملية السلام في سوريا.
وعلى صعيد تعدد اللغات، تتكلم كاغ 6 لغات أجنبية هي إلى جانب لغتها الام الهولندية الإنكليزية والفرنسية والإسبانية والألمانية إضافة إلى اللغة العربية التي تتكلمها بطلاقة نظراً لزواجها من المسؤول السابق في منظمة التحرير الفلسطينية أنيس القاق ولديها منه 4 أولاد. وتشدّد كاغ بلغاتها المتعددة بشكل دائم على الحاجة إلى مزيد من حفظ الأمن والسلام والاستقرار في لبنان.
بناء على كل هذه الوقائع، يعتقد أهل السياسة والأكاديميون في لبنان أن سيغريد كاغ التي لم تتهيّب تعيينها لا في لبنان ولا في سوريا والتي تغلّبت على التحديات التي واجهتها، ستسجّل في حال تبوئها أرفع منصب دولي وثبة استثنائية لهذه المنظمة الأممية.
تجدر الإشارة إلى أن 4 نساء مرشحات لخلافة بان كي مون لغاية الآن هنّ: رئيسة الوزراء النيوزيلندية سابقاً هيلين كلارك التي تتولى منذ عام 2009 إدارة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والمديرة العامة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة «الأونيسكو» البلغارية ايرينا بوكوفا، ونائبة رئيس مجلس النواب الكرواتي وزيرة الخارجية السابقة فيسنا بوسيتش، والدبلوماسية المولدافية الرفيعة ناتاليا غيرمان. وسيبدأ مجلس الأمن بالإعلان عن خياره قبل نهاية تموز/يوليو.
وإذا كان الاختيار يحرص تقليدياً على مراعاة «التنوع الجغرافي» فبعد الكوري الجنوبي بان كي مون والغاني كوفي أنان، فإن المنصب هذه المرة هو من نصيب أوروبا.
سعد الياس