سياسي… رجل آلي!

حجم الخط
0

تستضيف الصين مع كتابة هذه الكلمات كأسا للعالم لكرة القدم لاعبوه ليسوا بشرا وإنما رجالا آليين يمثلون سبعا وأربعين دولة ينتمي إليها العلماء الذين طوروا هذا النوع من الرجال. المتنافسون في هذا الكأس لا يتباهون بعضلات رجالهم الآليين ولا بقدرتهم على الحديث و«الخطابة» ولا بلون بشرتهم أو لغتهم أو حتى عيونهم ومكونات «الكاريزمة» الشكلية. هم يتباهون بعلمهم وخبرتهم التي أوصلت الرجال اللاعبين إلى الكفاءة المطلوبة والقدرات التقنية التي كانت في يوم من الأيام ضربا من ضروب الخيال.
غوغائية الكثير من سياسيي اليوم في عالمنا العربي وخطبهم الفارغة وعنترياتهم السخيفة ونزعاتهم الطائفية والفصائلية والحزبية والعقائدية كلها مجتمعة تجبر الكثير منا على التفكير الممزوج بالطرفة والتندر وطرح السؤال التالي: هل يستطيع العلم الذي مكن الرجل الآلي من تعلم خبرات لعب كرة القدم والتحرك والركض والتسديد والمناورة أن يخلق جيلا آليا من السياسيين؟
السياسي في عالمنا العربي موصوم من خصومه بأنه يمتلك من الآلية الشيء الكثير خاصة باتهامه بأنه يخضع للتحريك من أحزاب ودول ووكالات استخباراتية وما اصطلح على تسميتها بـ «الأجندات» الخارجية». وهم السياسيون ذاتهم الذين يوصمون بأنهم لا يمتلكون القدرة على المناورة وحسن التسديد وجمالية التهديف.
رجل آلي سياسي مصنع عالميا، فكرة عظيمة تحتاج إلى دماغ يمتلك قدرات خارقة في الذكاء الاصطناعي وتقدير الموقف وافتعال الخبث والمكر والدهاء خاصة وأنه يبتعد في تصرفاته عن الأنماط التقليدية التي تحكم مناورة الرجل الآلي التقليدي ويقترب في عملياته الحسابية إلى نظرية الفوضى الحسابية المعروفة. اختراع ربما يستهوي بعض الدول التي ملت من ساستها ولا تبحث إلا عن أفراد يسيرون حياة مجتمعاتهم بروحية خدمية تنموية حضارية إيجابية لا روحية اقتتالية تشتيتية تمزيقية عليائية إجرامية.
العالم العربي المكلوم لا يحتاج اليوم إلى المزيد من السياسيين ويتمنى لو فتحت وكالة خاصة لتصديرهم، ولا يحتاج إلى مباريات تافهة للمناورة والإساءة والتنافس الهدام بل يحتاج إلى خطة إنقاذ وإنعاش شاملة لما ألم به تحت شعارات الحرية والديمقراطية. ولو كان لهذه الشعارات صدا في العواصم الغربية التي رقصت لصالح ما سمي بالربيع العربي فأين الحرية للفلسطينيين وأين حقهم في تقرير مصيرهم والخلاص من سجانيهم؟ وأين حقوق الإنسان من دولة الاحتلال الصهيوني في كل ما فعلته وتفعله؟
لقد أنتج العالم المصفق للديمقراطية والحرية المزعومتين رجالا آليين في العالم العربي لا دور لهم إلا في تعزيز مفاهيم الشقاق والفرقة والتفسيخ والتثوير والاضطهاد تحولوا معها إلى مقاولي حروب وسماسرة الموت والتنكيل.
إن العالم الذي غاب عنه علمه وإنتاجه للمعرفة وتقديره للبحث العلمي وإيمانه بالتعليم الهادف لهو قنبلة موقوتة للدمار الذاتي الشامل ولهو بركان ملتهب ينتظر الانفجار. فمتى يلعب العالم العربي لعبته الأخيرة بتحكمه الذاتي وبإنتاجه لعلمه ومعرفته؟..سؤال سيبقى في رسم الإجابة على ما يبدو.. وربما لسنوات قد تطول!!

٭ كاتب فلسطيني

د. صبري صيدم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية