سيدةٌ خجلت من اقتناء كتاب…

حجم الخط
19

زرت أحد معارض الكتب، ووقع نظري على كتاب يحمل عنوانا موجها للنساء «كل ما أردتِ أن تعرفيه عن الجنس».
عنوان مثير يجذب الرجل والمرأة، توقفت عنده سيدة في الثلاثينيات من عمرها وأمعنت في العنوان وصورة الغلاف، واضح أن السيدة تريد أن تقتني الكتاب، ولكنها خجلت أن تحمله على مرأى مني، وممن يحومون حول تلك الطاولة. أدبرتُ كي أمنحها الفرصة، ولكن جاء غيري فانتقلتْ لمعاينة كتب سياسية واجتماعية وطبخ وقصص أطفال، يبدو أنها تنتظر لحظة أكثر ملاءمة مثل صياد ماكر لتعود إلى الكتاب نفسه.
الجنس موضوع حساس في حياة كل فرد، ولكنه يأخذ أشكالا مختلفة، تجارية ودينية وسياسية وطبية وأدبية وجمالية فنية.. إلخ.
أذكر في مراهقتي المبكرة إحدى المجلات اليسارية التي كان يصدرها حزب مبام الصهيوني واسمها (هذا العالم) التي رأِس تحريرها الصحافي اليساري أوري أفنيري، كانت تدخل إعلانا فيه صورة جنسية، كنت أطالع المجلة وأتوقف عند تلك الصورة كثيرًا، أقلب الصفحات وأعود إلى الصورة، كانت الصورة تختلف من عدد إلى آخر درءا للملل وإغراءً لاقتناء عدد جديد، هذا لم يفُت والدي رحمه الله فقال لي بهدوء: لا أريد إدخال هذه المجلة إلى بيتنا. فهمت السبب، ولكن تظاهرت بالسذاجة وسألته ليش يابا؟ فقال بلطف:لأنها مش نظيفة.
لا أفهم بالفعل ماذا كان القصد من هكذا إعلان مع صورة مثيرة عارية في مجلة يسارية تخاطب مجتمعا محافظا، هل كان اليسار الصهيوني يطمح لدخول بيوت العرب عن طريق إعلان جنسي، وهل اعتبر اليسار الصهيوني أنه بهذا يدفع المجتمع المحافظ إلى الحداثة! أم أنها كانت وسيلة رخيصة وأنجح لتسويق المجلة! أظن أنه كان إعلانا مدفوع الأجر، وطريقة وظفت الغريزة لإدخال المجلة وما تحويه إلى فئة الشباب، ويبدو أن كل شيء مباح في السياسة ما دام يخدم الهدف.
الجنس غريزة طبيعية في الحيوان والإنسان، مادة تجذب المتلقي في المجالات كلها.
أكثر المطالعين الشباب في الطبعة الأصلية لألف ليلة كانوا يتوقفون كثيرا، ويعيدون قراءة الكلمات الجنسية المباشرة في بعض القصص وينقلونها لأصدقائهم للمشاركة في المتعة والدهشة.
في رواية باولو كويلو إحدى عشرة دقيقة لم أجد ذلك الأدب العظيم كالذي أنتجه ماركيز أو أورهان باموق أو ميلان كونديرا وغيرهم، ولكن قبل عقدين تقريبا، كانت قراءة إحدى عشرة دقيقة صرعة، وكأنها في المنهاج الإلزامي لمحبي المطالعة، والفضل في هذا للجنس ولقطات الإثارة الكثيرة فيها.
رواية أو دراسة برهان العسل لسلوى النعيمي، طبعت أكثر من عشر مرات على ما ذُكر، وربما وصلت أكثر من هذا، لاحتوائها إثارة وكلمات جنسية مباشرة، قيمتها الأدبية تتلاشى بسرعة، وهي دراسة أكثر مما هي رواية.
عندما يُمنع كتاب أو فيلم ويُعلن بأنه للراشدين فقط، فهو إغراء وتنبيه للمراهقين والراشدين وحتى الشيوخ بأن يسرعوا ويقتنوا نسخة، وأي مادة تريد نجاح تسويقها فما عليك سوى كتابة عبارة ،للبالغين فقط.
اقتنيت كتاب القصائد المحرمة لأبي نواس أكثر من مرة لسبب بسيط، كنت أتركه في دُرج المكتب، فلا يلبث أن يختفي في مكتب عمِل فيه أكثر من عشرة موظفين وموظفات، إلى أن اختفى ولم أقتنه من جديد.
الجنس أيضا وسيلة لتشويه الدين، أضحكني بقدر ما استفزني أحد الشيوخ في تسجيل منتشر على اليويتوب يشرح فيه أعداد الحوريات اللاتي يحظى بهن المؤمن التقي في الآخرة، فله سبعون حورية، ولكل حورية وصيفتان ولكل وصيفة وصيفات ومساعدات.. إلخ، من المتواليات الحسابية حتى يصبح للمؤمن عشرات آلاف الحوريات القائمات على متعته، وكل لقاء جماع مع إحداهن يستغرق سبعين عاما، حتى تناديه حورية أخرى»أليس لنا فيك نصيب يا عبد الله»! بلى تفضلي. هكذا سوّق الشيخ نفسه وضاعف أعداد مشاهديه عشرات آلاف المرات. ولكنه جعل غاية المؤمن إقامة علاقة جنسية أزلية مع الحوريات، من دون أن ينسى حق زوجته الأرضية المؤمنة فيه.
إضافة لهذا، فهناك من كتب في الجنس مادة للتسلية، في الإمتاع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي في الليلة الثامنة عشرة يذكر الجنس مادة للترويح فيقول: «إن الجد قد كدّنا ونال من قوانا وملأنا قبضا وكربا»، ثم يدلي بشعر ماجن بصريح العبارات مع الغانيات والصبيان، ومن بعدها يعود إلى الجد بعد الهزل، ومثله فعل الكاتب الجليل أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، ولكن الكتب الأبرز في الجنس كانت لشيوخ مثل النفزاوي(الروض العاطر في نزهة الخاطر) والتجاني في (تحفة العروس ومتعة النفوس) و(رجوع الشيخ إلى صباه في القوة على الباه) لابن كمال باشا، وللتيفاشي وجلال الدين السيوطي وغيرهم.
الجنس أيضا مقياس لانضباط المجتمع وأخلاقه واحترامه لنفسه ولخصوصية الآخرين، فالتحرش الجنسي منتشر في المجتمعات المغلقة والمنفتحة ولكن بنسب متفاوتة، والغريب أن نسبة عالية جدا من النساء يتعرضن للتحرش الجنسي في بلد مثل مصر سواء اللفظي أم الجسدي، علما أن مصر تعتبر بلدا محافظا شكلا على الأقل. كذلك يشير الجنس إلى وضع اجتماعي سياسي مأزوم، اغتصاب فتاة في حافلة في المغرب وتصوير الحدث في جهاز هاتف، يعكس وضعا اجتماعيا خطيرا، فهو يعني اللامبالاة واليأس وعدم الاكتراث بالعواقب، وهناك تقارير كثيرة عن ازدياد التحرش الجنسي بحق القاصرين والأطفال، وازدياد ظاهرة المثلية الجنسية في السعودية ودول الخليج.
قضايا الجنس لا تنتهي باختلاف المجتمع أو تطوره، ولكن يختلف شكل التعبير عنها، فالجنس في معظم دول العالم المنفتح بات سلعة تجارية خاضعة لسوق العرض والطلب كما تعرض أية سلعة أخرى، ومع التطور التكنولوجي بدأت تنتشر ظاهرة ما يسمى الإيذاء المُبْهج، وهي تصوير الاعتداء بما في ذلك الجنسي وبثه في وسائل التواصل الاجتماعي.
الطريق الذهبي والأقل ضررًا هو الوسط، ونحن أمة الوسط، التشدد والتزمّت والحرمان الشديد له عواقب وخيمة لا تقل خطورة عن الانفلات والإباحية والتحلل.
وعودة إلى السيدة وكتاب «كل ما أردت أن تعرفيه عن الجنس». لم تستطع السيدة المحترمة التغلب على خجلها وتردّدها، لفّت ودارت ولكنها لم تقتن الكتاب.
سيّدتي، لا داعي للخجل من تناول كتاب مثل هذا حتى ولو رآه الآخرون في يدك وفي مكتبتك، لأن فيه ثقافة واكتساب معرفة صحيحة وعلمية فيها مصلحتك أنت وشريكك في حياة زوجية أكثر سعادة ومن ثم مصلحة المجتمع كله.

سيدةٌ خجلت من اقتناء كتاب…

سهيل كيوان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية