سيدُ شبابِ أهلِ البصرة

حجم الخط
4

■ في 14 فبراير/شباط قبلَ خمسة عقود، وفي ليلةٍ كانَ المطرُ أغنية شتائية تغسلُ البيوتَ والشوارعَ، وتضيفُ لشط العرب نسبة من الماءِ السماوي، تمخَّضت نزيهةُ بنت جواد بنيّان فولدت ولدا سعدت لمجيئه، لكنَّها كانت تريد هواء يدخل رئتيها فهيَ تشعرُ بالاختناق؛ أو أنَّ اعضاءَها ودمَها استنفدا الأوكسجين وكانت بحاجهٍ له، فأشارتِ إلى النافذة… هرعت نوّارة، أختُها التي تصغرها بثلاثةِ أعوام وقد لازمتها ساعاتِ المخاضِ إلى النافذةِ فأشرعتها، ودعَت الهواءَ يدخل تيارا متشرِّبا برطوبةٍ تفتَّح قلبُ نزيهة له، وأفعمَها بارتياح. ذلك الارتياحُ رسمَ لها اسمَ الولد، فتمتمت من بين ثنايا الوجعِ والإعياءِ: أريد أنْ اسميه سريع. فكان سريع اسما دوّن في اليومِ التالي في سجلِ دائرةِ نفوسِ العَشار.
في الأيامِ الأخيرةِ من عامِه الأولِ اعتلى سريع ناصيةَ الزحوفِ، بعد شهرٍ صارَ يمشي، وإنْ بتعثِّرٍ. زحوفُه ومشيهُ وتعثّره كان يُفعم قلبَ الأبِ رشيد المولى بالهناء… يفرِدُ له الذراعين فيحتضنه ويرفعه إلى الهواءِ ليكون حركةَ سرورٍ وضحكة فيها شهقةٌ يُطلقها الصغيرُ الذي استحالَ نسيما يخِفق. بعد شهرٍ من صرفِ سريع عامَه الأول جاء خبرُ موتِ رشيد المولى، في مياهِ الخليج على بعدِ فرسخين من مدينة الفاو، غرقا في قاربٍ مع مجموعةِ صيادين ضربَهم إعصارٌ مجنونٌ لم يصدِّق البصريون حصولَه؛ لأن إعصارا كهذا لا يحدث إلا في أعالي البحار.. وعندما حصلَ وبحثَ الغواصون عن الغرقى في أعماق اليم لم يعثروا سوى على غريقٍ واحد.
يومها بكت نزيهةُ بنت جواد، وولولت.. خدَّشت وجهَها وشقَّت زيقَها. أعانتها نساءُ المحلَّة على تخطِّي الأزمةِ الثقيلة والفقدِ المريع؛ وقالوا لها: «إنْ كنتِ تحبّين ابن المولى حافظي على ولدِه سريع. ففيه كلُّ ذكرياتِه معَك. سيشعرُ وهو في قبرِه المائي بالاطمئنانِ لو كرَّستِ وقتَك لولده فلا تفكّري بالزواج من رجلٍ آخر رغم أنكِ شابّة يتمنّاك ألفُ شاب». يومَها صفعت وجهَها لسماعِها ذيلَ الكلام، وراحت تردِّد: «أبعدَ رشيد المولى يدنِّس قلبي رجلٌ، ويرتعَ في بستاني مَن يسمَّونه زوجا». وكانت على قرارِها صامدة صلبة. استمرَّت منتصبة، مثلَ شجرةٍ، لم تُثنِها إشهارات الإغراء، ولا هزَّتها رياحُ الضفر بعديدِ المتقدمين. كانوا من الشبابِ الميسوري الحال، الطامعين بها شقراءَ بعينينِ خضراوين، وقامةٍ تقرَبُ من قاماتِ عارضات الأزياء. ظلَّت تقفُ أمام المرآة تتملّى ملامحَها وقسماتِها وانتصابَها. ثم تقارنُ مَن تقدَّم لها برشيدِ المولى.
«رشيدُ المولى سيدُ شبابِ أهل البصرة»، كانت تقول، «إنّه الحبيبُ الذي يُحبُه شطُّ العرب.. هو الرَّطبُ البرحي، ومَن بَعدِه شيص». تتقهقرُ آمالُ المتقدمين لطلبِ يدِها بينما تتقدمُ أعوامُ العمر بولدِها سريع. سريعُ يدخلُ المدرسةَ الابتدائية فيجتازها طفلا توصِلُه مرّة أمّه نزيهة إلى بابِ المدرسة؛ ومرّات تتولّى خالتُه نوّارة المهمّة.. تنتظرُ خروجَه عندَ اقترابِ الدوامِ من الانتهاءِ فيخطو.. يحدِّثُها عمّا قالَ، وما كتبَ؛ وما حصل. سريعٌ يتفوَّقُ في دراسةِ المرحلةِ المتوسطةِ فتى يتداولُ اسمَه المدرسونَ في إدارةِ المدرسة، وفي اجتماعِهم الدوري يعدُّونه ضمنَ الطلبةِ المتفوقين الذين يُشار لهم بالبَنانِ، آملا في رؤيتِهم له في قابلاتِ الأعوامِ عالِما تفخر به البصرةُ والعراق.. تتلقّى لوحةُ الإعلاناتِ ولأكثرَ من أسبوعٍ صورتَه في اللافتةِ المؤطرة ببروازٍ من الخشبِ الصاج اللميع «فارسُ الصفِّ»… ويقرأُ طلبةُ المدرسةِ الاسمَ «سريع رشيد المولى « فيطالعون صورتَه بوجهِه الذي كقرصِ عَسلٍ، وبعينيه اللتين تعجّان إشراقا تنتشرُ بين ذرّاته تنبؤات لشابٍ سيحملُ مَشكاةِ نورِ المعرفة، فيسيرُ به بين حواري البصرة يُمطرُ على شبابِها وفتيتِها نورَ العلمِ المشع، فيُضيءُ دواخلَهم، ويجعلُهم كما هو: مصباحٌ مشرقٌ ونيّرٌ .. قدمٌ ترسمُ خُطى الاستنارةِ والبناءِ القويم.
يُقبل سريعُ على المرحلةِ الإعدادية فيجتازُ الأعوامَ الثلاثة متميزا.. ينظر إليه أساتذته بعينِ الإكبار، ويطالعه أقرانُه بقلبِ التمنّي أن يكونوا نماذجَ عنه ؛ في علمِه وخلقِه، في هدوئِه ورصانتِه. سريعٌ اليوم ؛ وقد اجتازَ الخمسينَ عاما، يضربُ في شوارعِ العشَّار بلا هدى… لقد رماه القدرُ بجلطةٍ حملت معها كلَّ تبعاتِ تيهِ العقلِ، وتشتّت الذاكرة. يغمره شعور أنّه يدب على أرضِ شوارعِ البصرة وأزقتها… يتوقف كثيرا يطالع ما حوله.. يرمي رأسه بين كفّيه ويعصره ليستعيد صورا وأشياء، أحاديث وقراءات فلا يقدر… الجلطةُ كانت قاسية بالقدر الذي جعلته ينسى حتى اسمِه، وعندما يُسئلُ عن الاسمِ يبحث في كتبِ الرأسِ المبعثرةِ، وأوراقِ العمر ِالتي تمزَّقت فغدت نثارا.. ما يلبث أنْ يهزَّ رأسَه تململا، ويروح يخطو.

٭ قاص من البصرة

سيدُ شبابِ أهلِ البصرة

فراس تاجي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية