لا أصدق أنني أكتب رثاءً لسيد البحراوي، فقد كنت، كمعظمِ تلاميذه وأصدقائِه ومحبيهِ، غيرَ مصدقٍ نبأ وفاته، وهو الذي كان يمدُّنا بفكرةِ التمسُّكِ بالحياةِ والمقاوَمَةِ، مقاومةُ الموتِ والمرض، تماماً كفكرة الرفض: رفض الخطأ، والتمسك بالموقف والثبات على القيمة وإعلائها نقدياً والاحتفاء بها إنسانياً من خلال معايشتها وتطبيقها، سواء في النشاطات الفاعلة التي كان يقوم بها، أو من خلال حضوره المتواصل بين تلاميذه ومحبيه في الندوات واللقاءات الفكرية والمنتديات النقدية وحتى المقاهي الثقافية.
كان أكثر من أستاذٍ وصديقٍ ورمزٍ لي ولجيلي ولأجيالٍ أخرى سبقتني، وكان تطبيقُهُ لقناعاتِهِ وثباته على مواقفه يسبق تنظيرها، من هنا فقد كان انتماؤه لليسار المصري والفكر الماركسي في طليعة هويته الفكرية وانتمائه لأفكار مقاومة السلطة، وقد دفع ثمن ذلك بفصله من الجامعة المصرية مع شرفاء ومثقفي اليسار المصري الوطنيين، الذين عارضوا اتفاقية السادات المُخزية «كامب ديفيد»، واستئثاره بالسلطة وقراراته «الإصلاحية» التي عزلت السياسيين والمفكرين عن المشهد السياسي المصري والعربي، وقد اعتقلت في تلك الأحداث- هوجة اعتقالات سبتمبر/أيلول 1981 التي لم تترك مصرياً شريفاً صاحب رأي – زوجته أمينة رشيد، حفيدة إسماعيل صدقي باشا، رئيس الوزراء المصري في العهد الملكي، وأستاذة اللغة الفرنسية في كلية الآداب جامعة القاهرة، وهي من رواد الفكر الماركسي أيضاً، وقد تقدَّم سيد البحراوي لخطبتها وهي في المعتقل، بحضور شقيقها إسماعيل رشيد، ومأمور السجن.
ظلَّ سيد البحراوي منتمياً لهذه الأفكار، يُطبقها في حياته قبل محاضراته، حتى أن سيرته الجامعية كانت بمثابة سيرةٍ موازيةٍ لمنجزِهِ الأكاديمي من حيثُ الصرامَةِ الفِكريةِ والموقفية والالتزام، ورفض أي وصاية فكرية تمليها إدارة أو سُلطة خارج نطاق الفكر، ولهذا فقد كان في طليعة المناصرين والداعمين لزميله نصر حامد أبو زيد، المفكر المعروف، في أزمته الشهيرة مع الجامعة المصرية عام 1993، حين واجهه بعض أساتذة القسم من المنتمين إلى التيار الإسلامي المتشدد ورفضوا أبحاثه في تأويل القرآن، ملمحين في تقاريرهم إلى أنها تشير للطعن في العقيدة، بما «يقترب من» تكفيره، وفي طليعتهم عبد الصبور شاهين، فكان سيد البحراوي أول من وقف بجانب نصر أبو زيد في محنته غير خائفٍ من نفوذ أو سلطة التيار الإسلامي المتشدد في الجامعة، تماماً كما كان من أوائل من أيّد صنع الله إبراهيم في رفضه جائزة ملتقى القاهرة للإبداع الروائي العربي من المجلس الأعلى للثقافة في مصر عام 2003، ومن أوائل المنضمين إلى حركة «كفاية» عام 2004 التي هبّت في وجه توريث نظام حسني مبارك سلطته إلى ابنه، وكثيراً ما كنتُ أنضم إلى مظاهراتها فأفاجأ بأستاذي يتقدَّم طليعة الصفوف فيها.
إن المنجز الأساسي لسيد البحراوي أنه صاحب أول نظرية نقد عربية، استطاع تأسيسها عبر ثلاثين عاماً من النقد التطبيقي، وهي نظرية «محتوى الشكل»، التي صدرت في كتابه المعنون «في نظرية الأدب، محتوى الشكل: مساهمة عربية» عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، فقد كان مؤمناً بقدرة العقل العربي على إنتاج نظرية نقدية نابعة من قراءة معطياتنا الخاصة، من خلال رؤيتنا المستقلة وظروفنا الحضارية وخصوصية مجتمعاتنا وثقافتنا، لا من خلال المعطيات التابعة لأفكار الغرب (الذي نعيش على نظرياته النقدية ومذاهبه الفكرية إلى اليوم)، ومن خلال نظرية محتوى الشكل التي يذكر سيد البحراوي في تقديمها أنه عدَّها « المفتاح الأساسي لدراسة النص الأدبي، ليس بوصفه عملاً متأثراً بالمجتمع، إنما بوصفه عملاً اجتماعياً، وظاهرة اجتماعية بذاتها، تكمن اجتماعيتها في داخلها، وليست مفروضةً عليها من الخارج، وكذلك يقوم بدور أساسي في عملية التطوُّر الأدبي، وفي تفسير بعض قوانين تاريخ الأدب والأدب المقارن وليس النقد الأدبي وحسب».
إن فرادة وعبقرية ما قام به الراحل ليست مقتصرةً على ابتكاره نظريةً نقديةً عربيةً وحسب، وهذا منجز في حد ذاته، وإنما أيضاً لأنه استطاعَ «تفكيك» المنظومة المؤزِّمة للعقل العربي، التي تدعوه عادةً إلى اتباع مفكري الغرب ونقاده ومنظّريه، ومن هنا فإن النقد العربي ظلَّ واقعاً في أزمةِ منهجٍ مفروضةٍ عليه، قياساً على الظروف الحضارية لغيرنا، رغم أن الواقع «المنتج» لهذه النظريات الفكرية والمذاهب النقدية، لا يمت لواقعنا بصِلة، وهي نتاجُ وعيٍّ وفكرٍ وإدراكٍ في مكانٍ وزمانٍ معينينِ، لا ننتسب لهما، إضافة إلى التبعية الذهنية للغرب، والانبهار بالنموذج الرأسمالي له، وتجلياته الفكرية والنقدية، التي انبهرَ بها الناقد العربي، متوهِّماً فكرة الريادة والتفوق لهذا النموذج وأفكاره، ومكرساً- من جانبٍ آخر- لفكرة التبعية الذهنية، باعتبار أن المهزوم يقلد المنتصر، وينقل عنه دوماً ، كما قال طه حسين.
هل حاول أحد نقادنا المصريين- أو العرب- أن يدعو لنظريةٍ نقديةٍ عربيةٍ خالصةٍ، بدون نقلٍ عن الغرب أو اتباعٍ لمذاهبه الفكرية؟ لا أعتقد ذلك (باستثناء الناقد الراحل مصطفى ناصف، الذي كان «يدعو» إلى ذلك، غير أن نظريته النقدية في اتجاه التفسير الأسطوري للأدب كانت في موضعِ إنجازٍ آخر).
وهذا يفسر في حد ذاته جزءاً من شخصية سيد البحراوي، في استقلاليتها الفكرية، واعتدادها بالذات، وإيمانه بالعقل العربي، ورفضه لأي تبعية فكريةٍ، وحرصه على معايشة الواقع العربي بما يملكه من إمكانات إنتاجٍ فكريٍ وإبداعيٍّ رائد.
أما نظرية محتوى الشكل نفسها، فكانت وثيقة الصلة بجميع عناصر العملية الإبداعية، من مبدعٍ ومتلقٍ وعناصر تشكيلٍ للعمل الإبداعي نفسه، باعتبار أن محتوى الشكل متصلٌ اتصالاً وثيقاً بعناصر إنتاج العمل الأدبي، باعتباره «دالَّاً كلياً» يحملُ مجموعةَ مدلولات، ولا يمكن الكشف عن جوهر النص الأدبي ودلالته إلا بتحليل هذه الدوال والعلاقات في ما بينها، وفي تحليلنا هذا سنكتشف أن المجتمع هو الذي يمُدُّ المبدع بالمواد الخام لإبداعه، أو ما أسماه «شكل الشكل»، وصولاً إلى نتيجة أن النص الأدبي نظامٌ متكاملٌ لا يخضع للتفتت والتشظي، أو تحكمه الفوضى، فالعلاقات المنظمة لعناصره هي التي تخلق هويته وتماسكه النصي، ومن هنا فإن «محتوى الشكل» يعدُّ نظاماً حاكماً لعمليتي التشكيل والتلقي.
لم يكن سيد البحراوي أستاذاً رائداً للنقد وحسب، إنما كان مبدعاً حقيقياً، وقاصاً متفرداً، وتجلّى ذلك في مجموعاته «ليل مدريد» و»طرق متقاطعة» و»في مديح الألم»، وغيرها، وقد صاغ في مجموعته الأخيرة، مواجهته ـ بشجاعةٍ وتحدٍّ- لتجربة المرض الذي ألمَّ بهِ، وكيف استطاع مواجهته من خلال استيعابه فلسفياً وفكرياً واحتوائهِ كمُعطى حياتيٍّ قد يحفز على الحياة نفسها!
لا يمكن الإحاطة بسيرة ومواقف وتجربة سيد البحراوي كلها في مقالٍ واحد، هذه السيرة الكبيرة التي اتسمت بالنبل والانتماء للقيم والمبادئ وعدم المهادنة، ورفض القبح، وتحدي كل سلطةٍ عمياء، كان معروفاً بعدم مجاملته العلمية لأحدٍ أياً كان، وكان حاداً وقوياً في مواقفَ استلزمت الحزم، سواء أمام نقاد أو ذوي مناصب أو مع طلبةٍ لا يدركون دورَهم بينما يُكوَّنونَ علمياً، ولم «يتورَّط» في الانتساب لمؤسسات الجوائز وعلاقاتها وسقطاتها سواء في مصر أو خارجها، مكتفياً بمنجزه النقدي القيّم واعتكافه في محراب العِلم، كان يرى أن حتى «جائزة نوبل تحكمها العلاقات»، وأنه ليس مستعداً أن يكون شريكاً في أيٍّ من هذا.
في آخرِ اتصالٍ لي به، وكان صوتهُ القوي، قد ناله بعض الوهن من المرض، عاتبني على إهدائي مجموعتي القصصية لهُ في تقديمها، بدون أن أخبره أو أرسل له نسخة، فقد عرف الأمر ممن اقتنوا الكتاب، وأسررت له بأن في نفسي الكثير لأكتبه عن واقعنا الثقافي «بأسماء» من أفسدوه من نقادٍ متخمينَ وشعراء لا يستحقون ولجانٍ «شِبهَ مرتشية» وقد كنت شاهداً على كل ذلك، فهل أكتب مثل هذا الكتاب الذي ستلاحقني تبعاته ومشكلاته ولا شك؟ فصمت قليلاً ثم قال لي: شوف يا ولد!.. الإنسان موقف، كلمتك هي أنت.. إن لم تقلها فقد حكمت على نفسك بالمحو، قل كلمتك وامضِ.
وبينما أتأهب لقول كلمتي التي ملأني إيماناً بها.. مضى هو.
شاعر وناقد مصري
حمزة قناوي