سيد الكرملين يعتبر روسيا حليفة لأمريكا

حجم الخط
0

 

سمير ناصيف: إذا رغب أي باحث أو مهتم بالشؤون السياسية العالمية معرفة ما يدور في خلد وعقل رئيس جمهورية روسيا فلاديمير بوتين ويدفعه لانتهاج السياسات التي ينتهجها في الشرق الأوسط والعالم، فمن المفيد جداً ان يقرأ كتابا بعنوان «مقابلات بوتين» الذي يشمل المقابلات التي أجراها المخرج السينمائي الأمريكي المعروف اوليفر ستون بين صيف 2015 وربيع 2017 أي بعد فترة قصيرة على تسلم دونالد ترامب رئاسة جمهورية الولايات المتحدة.
اشتمل الكتاب مقدمة وأربعة أقسام عَرضت مقابلات اوليفر ستون معه في تموز (يوليو) 2015 ثم في شباط (فبراير) 2016 وايار (مايو) 2016 وأخيرا في شباط (فبراير) 2017.
الجدير بالذكر ان مقدمة الكتاب القصيرة كتبها الصحافي في صحيفة «لوس انجليس تايمز» المتخصص في الشؤون الروسية روبرت شير.
وأهم ما قاله ان بوتين اعتقد انه بعد انهيار الاتحاد السوفييتي فان الحرب الباردة بينه وأمريكا انتهت، ولكن تبين له انه في نظر بعض أركان القيادة الأمريكية حالياً وبعض الجهات المحافظة والإعلامية العالمية المنحازة فهذا الأمر ليس حتمياً. وربما كان هذا الواقع يفسر الأزمات الدبلوماسية بين المعسكرين في هذه المرحلة. ويقول شير ان بوتين، ورغم انه (حسب قوله) نبذ الشيوعية (كما مارسها قادة الاتحاد السوفييتي السابق) فانه ما زال قائداً روسياً مؤمناً بالقومية الروسية ويعتقد بضرورة تحقيق التغيير في بلده، ولكن من دون الرضوخ لمشيئة أمريكا والمعسكر الغربي.
أهم ما ورد في مقابلة شباط (فبراير) 2017 ان بوتين يشعر بمودة نحو الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب لأن الأخير حسّنَ العلاقة الأمريكية ـ الروسية وتعاون مع روسيا في مكافحة الإرهاب، رغم ما نسمعه حاليا عن تجميد أعمال دبلوماسيين واقفال مكاتب بعثات دبلوماسية بين الجانبين من وقت إلى آخر. كما ان بوتين ينفي بشدة في هذه المقابلة ان روسيا مارست أي قرصنة الكترونية لإنجاح ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، ويقول ان هذا الاتهام مبني على الأكاذيب وصادر عن مجموعات أمريكية ترغب في استمرار الحرب الباردة بين أمريكا وروسيا.
ويقول بوتين ان الجهات التي تشن حرباً إعلامية ومؤسساتية في أمريكا ضد ترامب لديها دوافع ثلاثة، أولها التشكيك في شرعية رئاسته وانتخابه رئيسا لأمريكا، وثانيها تطبيع وتحسين علاقة أمريكا بروسيا وثالثهما شن حرب داخلية أمريكية ضده لاحتلال موقع السلطة مكانه.
ويعترف ان علاقته كانت جيدة أيضا مع الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما وأنهما كادا ان يتوصلا إلى اتفاقات عملية ومفيدة في مجال الوضع في الشرق الأوسط (سوريا خصوصاً) وحول توزيع مهمات مواجهة الإرهاب في سوريا وضرب مواقع المنظمات الإرهابية المسلحة هناك ولكن في النهاية اقتصرت هذه الاتفاقات على التنسيق الجوي بالنسبة إلى التحليق العسكري للجهتين وعدم تعرض أي جهة للأخرى.
ويؤكد بوتين في لقاء (عام 2017) أنه لا يعتبر الإسلام أو أي دين آخر الخطر الأوحد أو مصدر الشر على البشر ويعتقد ان الخلافات بين الطوائف المسلمة يجب ان يتم تجاوزها مؤكداً وجود ما يوازي 15 في المئة من سكان روسيا يعتنقون الإسلام.
كما يؤكد على ضرورة الحوار حول الاتفاق النووي الإيراني الأمريكي (والأوروبي) بين قيادتي الدولتين العظميين وليس عبر وسائل الإعلام.
ويشير في المقابلة الأخيرة إلى وجود ما يوازي 4500 شخص يحملون الجنسية الروسية يقاتلون في سوريا إلى جانب «داعش» والمنظمات الراديكالية «الإرهابية» الأخرى وحوالي خمسة آلاف من دول آسيا الوسطى التي كانت سابقاً جزءاً من الاتحاد السوفييتي وان روسيا تخشى من استخدام هذه المجموعات ضد أمنها الداخلي والخارجي، وقد أحبطت 45 هجوما ضدها من قبل هذه المجموعات العام الماضي.
ويوضح ان الكثيرين في العالم العربي وتركيا لا يفهمون دوافع روسيا للمشاركة في مواجهة «الإرهاب» في سوريا ودعم النظام. الدافع الأساسي لروسيا (في رأيه) هو عدم تقسيم سوريا كدولة وعدم السماح للإرهاب بالانتقال إلى روسيا.
وعبّر عن تحفظ روسيا إزاء محاولة الانقلاب التي جرت في تركيا ضد نظام الرئيس رجب طيب أردوغان منذ عامين وعلى سكوت بعض القيادات في الدول الغربية إزاء هذه العملية.
وأهم ما ورد في لقاءات ستون مع بوتين في شباط (فبراير) 2016، كان موقف الرئيس الروسي إزاء المملكة العربية السعودية الذي ورد في الصفحتين (142 ـ 143) حيث يقول بوتين: «عموماً نملك علاقات جيدة مع السعودية وهي في حاجة إلى المزيد من التطور. هناك حاجة لتعاون روسيا مع السعودية في شأن البترول وإبقاء نسبة الإنتاج في السعودية في مستوى لا يهدد اقتصاد روسيا «أي عدم زيادة الإنتاج بنسبة عالية والإبقاء عليه بنسبة مقبولة».
ويركز بوتين على الأوضاع الإقليمية في المنطقة عموماً أكثر من تركيزه بالتحديد على القضية الإسرائيلية ـ الفلسطينية، حيث يذكر مثلا في الصفحة (149) ان قضية النفط ما زالت الأساسية في سياسات المنطقة لأنه لم يتم العثور على مصدر آخر للطاقة أقل تكلفة من النفط، ثم يستدرك قائلا «ولكن القضية الفلسطينية ـ الإسرائيلية مهمة جداً أيضا». (ص 149).
ويؤكد في مقابلته مع ستون في 9 أيار (مايو) 2016 ان أهم ما يمكن فعله في سوريا هو التوصل إلى تسوية سياسية. وفي رأي روسيا ان بشار الأسد مستعد للتفاوض حول مثل هذه التسوية (الاتفاق) ولكن المعارضة تطالب بخروجه من السلطة الآن، فيسأل بوتين «من سيحل مكانه»؟ ويجيب ان «المطلوب هو دستور جديد تتبعه انتخابات حرة توافق عليها جميع الأطراف (ص 160).
ويدعم موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أن منظمة «حلف شمالي الأطلسي» لم يعد لها الدور الرئيسي لأن الاتحاد السوفييتي قد زال من الوجود ولأن مصاريف استمراره مكلفة، ولكنه يفسر استمراريته إلى ان المنظومة العسكرية الصناعية الأمريكية بحاجة دائمة إلى وجود عدو خبيث للولايات المتحدة من الضروري مواجهته والاستمرار في صناعة الأسلحة المدمرة المكلفة لذلك. ويشير إلى انه عرض مشاركة روسيا في أي حلف لمواجهة أخطار التسلح النووي في العالم ولإنتاج المنظومات المواجهة لهذا التسلح، ولكن هذا العرض لم يؤخذ بالجدية المطلوبة.
وفي الفصول الأولى من الكتاب حول المقابلات في عام 2015 وردت مواقف هامة جداً لبوتين تفسر الكثير من مواقفه الحالية حيث يقول في الصفحة (36) «هناك دول تدعم الإرهابيين في دول أخرى لها مصالح فيها لاستخدامهم في مواجهة خصومها في هذه الدول (ومنافسيها على المصالح هناك). وفي مثل هذه الحالات ليس من الواضح مَنْ يستخدم الآخر، وقد استخدمت الاستخبارات الأمريكية مجموعات إسلامية راديكالية لتحقيق أهدافها، ولكن هذه المجموعات انقلبت لاحقا على أمريكا. وهذا ما حدث مع «داعش» وكثير من المنظمات المسلحة السورية المعارضة التي نالت مساعدات من أمريكا ثم انقلبت على أمريكا وانضمت إلى داعش». (ص 36).
ويضيف ان الاستخبارات الأمريكية دعمت منظمات شيشانية مادياً وعسكريا ضد النظام الروسي، كما دعمت مجموعات مسلحة في ليبيا، ولكن النتيجة كانت سلبية ومنها مقتل السفير الأمريكي في ليبيا كريستوفر ستيفنز على أيدي مثل هذه المجموعات.
بيد انه يشير في مقابلات عام 2015 أن معظم المساعدات الخليجية للمنظمات الإسلامية الراديكالية في الشرق الأوسط والعالم تأتي من مصادر غير حكومية (ص 37).
ويعتبر بوتين ان الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن خدعه معاونوه ومستشاروه عندما شن الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003 وانه ليس الشخص السيء الذي يعتقد الكثيرون انه يمثله. ولكنه يشير إلى ان بوش الابن أخطأ أيضاً عندما قرر توسيع نفوذ «منظمة حلف شمالي الأطلسي» (الناتو) بما يتجاوز حدود المانيا الشرقية (سابقا) (ص 40) ولاستخدام هذه المنظمة لتحقيق الأهداف السياسية الخارجية الأمريكية ضد روسيا (ص 41).
كما ينتقد بشدة انسحاب أمريكا من اتفاقية منع تطوير الصواريخ الباليستية الأمريكية في أوروبا بحجة ضرورة مواجهة التسلح النووي الإيراني مشيراً إلى ان الاتفاقية النووية الإيرانية ـ الأمريكية (الأوروبية) التي وقّعت في الأعوام الأخيرة (2015) يجب ان تؤخذ في الاعتبار لعدم الانسحاب من اتفاقية منع تطوير الصواريخ الباليستية الأمريكية في أوروبا وبعدم الاستمرار في توسيع التسلح الأمريكي والانتشار العسكري في مناطق أوروبا الشرقية القريبة من حدود روسيا. ويعتقد الرئيس الروسي أن هذه المبادرات السلبية جرت لاعتقاد القيادة الأمريكية ان روسيا ضعيفة، ولن تستطيع المواجهة، كما أتت بمبادرات أحادية ومن دون التنسيق مع القيادة الروسية (ص 43) والآن، تدرك القيادة الأمريكية أنها أخطأت بعد التطورات الأخيرة في أوروبا الشرقية وادراكها حقيقة الموقف الروسي.
ويشدد بوتين على ان إرسال المدمرات والجيوش الأمريكية إلى أي منطقة من العالم الثالث وخصوصاً الشرق الأوسط لمواجهة الخصوم لن يحقق سوى تصعيد الإرهاب، كما حدث في هذه المنطقة في العقود الأخيرة. وقد أوقعت خيارات القيادة الأمريكية السلبية بلدها في مصيدة عليها الخروج منها بالتعاون مع روسيا بما يفيد البلدين والعالم.
ويؤكد انه لا يعتقد ان أي مواجهة عسكرية ستحدث بين أمريكا وروسيا في المستقبل، لأن مثل هذه المواجهة ستدمر العالم وان خصوم روسيا في الولايات المتحدة يجب ان يهدأوا (ص80 ـ 83). ويعترف بوتين ان روسيا ليست دولة ديمقراطية، حسب المنطلق الغربي، ولكنه يذكّر بأنها كانت مملكة ثم تحولت إلى دولة شيوعية متزمتة يحكمها حزب واحد، والآن هي تسير نحو الديمقراطية.

The Putin Interviews: Oliver Stone
Hot Books ,Canada 2017
277Pages

سيد الكرملين يعتبر روسيا حليفة لأمريكا
اوليفر ستون في «مقابلات بوتين»:

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية