سيد بهاء الدين مجروح: الأدب الأفغاني المعاصر صرخة ضد الإرهاب

■ يعتبر الكاتب والفيلسوف والشاعر الأفغاني «سيد بهاء الدين مجروح» رائد القصيدة والأدب الأفغاني المعاصر والحديث. فالتجربة الأدبية التي راكمها، جعلت منه أحد مؤسسي الأدب الأفغاني المعاصر، باعتباره أدبا شابا يتطور بسرعة، منفتحا على الحوار الثقافي وتعدد اللغات والحضارات. عاش مجروح لاجئا فترة الاستعمار السوفييتي لأفغانستان، قبل أن يقتل بوحشية على يد جماعة من حركة طالبان في بيشاور عام 1988. عمل على ترجمة الشعر الأفغاني النسوي، أو بما يعرف بشعر اللانداي والبشتون إلى لغات أخرى كالفرنسية، وهي محاولة لإسماع صوت النساء المحرومات من حرية التعبير عن أحاسيسهن في مجتمع يرى في المرأة عورة. ولعل من أشهر أعماله كتاب «الذات الوحش»، وهو كتاب يرصد أحداثا مهمة من تاريخ أفغانستان المعاصر، خاصة فترة ما بعد الانقلاب على الأمير داود. ومع دخول السوفييت إلى افغانستان، مدّ مجروح أواصر العلاقة مع المقاومة الوطنية التي تصدت للاحتلال، ثم انتقل عام 1980 إلى بيشاور في باكستان. ففي فترة المنفى، عمل على تأسيس وإدارة «مركز المعلومات الأفغاني»، كما قام بإصدار نشرة دورية للمقاومة، وكان الناطق باسمها، وصلة الوصل بينها وبين مثقفي العالم، إلى أن تم اغتياله من طرف الحركات الظلامية المعادية للمقاومة الأفغانية. ويعتبر كتاب «أغاني التيه» من أشهر المؤلفات التي تركها الشاعر، إذ يصور لنا بكل جرأة وصدق معاناة الشاعر وإحساسه بالظلم الذي يمارس على بلاده، يقول ..

«وحينها أدرك
أن الدرب الوحيد
الذي عليه أن يقطعه
الطريق الوحيدة المتبقية
هي التي تؤدي رأساً
إلى كهف الظلمات».

هذه الأبيات تكشف لنا أن الشاعر كان يعرف أن مصيره الوحيد هو الموت قتلا على يد الحركات الإسلامية الظلامية، أو الاتحاد السوفييتي. فالمعركة التي كان يخوضها، كانت تشكل خطرا يوميا على حياته، لكن الشاعر لم ينصع أبدا وواصل كفاحه السياسي والأدبي، إلى أن لقي مصرعه على يد هذه الحركات. مقتل سيد بهاء الدين مجروح دفع مجموعة من الكتاب الأفغـــــان إلى نهج ســـــياسة المقاومـــــة عبر الكتابة. فمعظم الشعراء والكتاب الأفغان المتواجدين في إيران وباكستان والهند وأمريكا وأوروبا جعلوا منه الأب الروحي للأدب الأفغاني المعاصر والحديث.

أغاني الحب والحرب

عَمل مجروح على ترجمة العديد من القصائد لشعراء رجال ونساء وجمعها في كتاب تحت عنوان «أغاني الحبّ والحرب: شعر النساء الأفغانيّات»، خاصة شعر اللانداي الذي يُتداول سرا بينهنّ، لما تعبّر عنه من بوح جريء عن المرأة الأفغانيّة ومشاعرها وهواجسها. وقد ترجمها سيد بهاء الدين مجروح إلى الفرنسية، قبل أن تترجم إلى العربية ولغات أخرى. فهذا النوع من الشعر المفرط في درجة البوح والتمرد لا يمكن أن ينشر في أفغانستان، لأنه يمس بالمقدسات ويتطرق إلى مواضيع محرمة طبقا لقانون العادات والتقاليد المنغلقة، لذا، نجد أن أغلب الشعراء استفادوا من تجربة المنفى لكسر هذا الحاجز والتطرق إلى مواضيع، لم يسبق للمتلقي أو القارئ لهذا الأدب أن تعرف عليها. فشعر البشتونيات على سبيل المثال، يتسم بالجرأة المفرطة في وصف حرمان المرأة من الحب والعلاقة الحميمية مع الرجل، من خلال استعمال لغة عميقة تعكس الجرح الذي سببه هذا الحرمان. وقد اشتهرت المجموعة الشعرية التي ترجمها سيد بهاء الدين مجروح كثيرا، لأنها كشفت سرا من أسرار الأدب الأفغاني الدفين والغامض، فاليوم، أصبح شعر البشتون من الأشعار المعروفة بتمردها وجمال لغتها وعذوبة الكلمات المختارة بعناية فائقة:

«أحبُّ
ولا أخفي غرامي وآهاتي
ولو نزعَتْ سكّينُهم كلَّ شاماتي!
ضعْ شفاهَكَ فوقَ شفاهِيَ
واترُكْ لساني طليقا
يقولُ لَكَ الحبُّ
يا عاشقي والعشيقا».

هذا المقطع المترجم من الإنكليزية إلى العربية ــ ترجمة عبد الله أبو شميس ــ من الأبيات القوية المعبرة عن حالة المرأة، جراء حرمانها من تجربة الحب والشغف. وبهذا فإن المرأة الأفغانية تموت في الحب، وفي سبيل الحب رغم المعاناة والأوجاع والألم. وما يميز هذا الشعر الشعبي النابع من عمق المعاناة، هو طريقة البوح التي تعتمدها النساء، التي تُكسر كل التابوهات، خاصة إشكالية العلاقة الجسدية التي تسود غالبية الأشعار. فحرمان المرأة من التعبير عن شغفها، دفع بها إلى الإفصاح عن رغباتها ونزواتها عن طريق التغزل الجنسي بالحبيب الغائب. فشاعرات البشتون متيمات، جَعلنَ من الحب حياة بديلة للحياة القاسية التي فرضها عَليهن المجتمع الذكوري، لذلك فالمرأة تستطيع البوح بأسرارها العاطفية، عكس الرجل الذي لا يمكنه التعبير ولا الإفصاح عن حبه. كان سيد بهاء الدين مجروح واعيا بضرورة ترجمة هذه الأشعار إلى لغات أخرى للتحرر من سلطة المجتمع المتعصب، ولتصل معاناة المرأة الأفغانية إلى مسمع المتلقى. وهكذا يتأكد أن الشعر النابع من هذا النوع من التجارب، يحمل في طياته كل ألوان المعاناة؛ وهو أيضا صورة للمجتمع الأفغاني الرافض لحرية المرأة والمتمسك بتقاليده وعاداته العقيمة. يشتغل الشعراء والأدباء الأفغان كثيرا على اللغة؛ بحيث يختلط الشعر والرمز والأسطورة في لغة واحدة لرصد تناقضات المجتمع والعمل على إعادة تشكيلها عن طريق اللغة. فاللغة الشاعرية ليست فقط تعبيرا صادقا عن مأساة معاشة، وإنما تتجاوز ذلك لتشمل الوجود والهوية؛ فهي انعكاس للواقع التراجيدي الذي تعيشه أفغانستان.

اللغة الشعرية

لا يتوقف الكاتب الأفغاني عن البحث عن لغة تتسم بالعمق وتعدد المعنى، لذا فالشاعرية تَمثلٌ لغوي لذات جريحة تحاول التأقلم مع عالم جديد، رغم الغربة والضياع. فمعظم الكتاب الأفغان ينفردون بنزعتهم الشعرية، فيكفي أن نقرأ كتاب «نزهة القلم» أو «العودة الخيالية» لعتيق رحيمي لنلاحظ أن الكاتب يختار الكلمات بعناية فائقة، بحيث إن كل كلمة تجر القارئ إلى متاهات لغوية ورمزية تستمد جذورها من التجربة الشخصية للكاتب. فتعلق الكاتب باللغة الصوفية سبب من أسباب شاعرية اللغة المعتمدة بشكل كبير في أعماله. إن الواقع بتعدد صوره وتمظهراته، يدفع الأفغانيين إلى التحايل على اللغة لخلق انعكاس ذاتي داخل نصوصهم. فالكتابة أشبه بالصورة الفوتوغرافية عليها تتلبث اللحظات وعكسها بكل واقعية. إن شاعرية اللغة تتماشى مع الأزمة وتقطع الأنفاس خلال فترات الحنين والغربة خارج الحدود. فالتجربة المعاشة كفيلة بخلق لغة شاعرية تتجاوز سطحية الكتابة، نحو خلق نصوص منسوجة من دم التجربة وعرق المعاناة المستمرة. ما يفيد بأن اللغة التي كان يستعملها سيد بهاء الدين مجروح، لغة شاعرية تصف لنا ذات الشاعر وتدخلنا في حوار مع الطفل الذي ينمو في داخلنا. لغة مفعمة بالحس، ثورية وروحانية. لغة تحيي الماضي من أنقاضه، تحرر الخيال من سلاسله لتسبح بنا في فضاء رمزي يتخذ من المعاناة والصراخ والحرمان قاعدة أساسية.
المعاناة والتمرد
فالشاعر الأفغاني لا يكتب من أجل الكتابة، بل ليعلن تمرده وانتفاضته ضد الوضع الكارثي الذي يؤثر سلبا على بلاده. فالألم والمعاناة اليومية يشكلان واحدا من مصادر الإبداع. وكان سيد بهاء الدين مجروح من الذين سعوا إلى كسر كل الحواجز اللغة لوصف حالة بلاده الغارق في الظلام والدمار. ولعل من أجمل ما كتب الشاعر، وصفه لتجربة المنفى قائلا:

«في أرض المنفى
لا نعرف المشي
في سيرنا لا نعرف ما الذي نمغنطه تحت خطوتنا
في بلادنا
نعرف أين نضع أقدامنا كي لا نسحق أو نجرح صغار الجن
ونتفادى أن ينتقم منا
لأن الجن في بلادنا ينجب الأطفال في كل مكان
وخصوصاً في جذوع الأشجار العتيقة جداً
وفي أعماق المغارات
وعلى امتداد الممرات الضيقة.
نحن نحسن التعرف على أعشاشهم والالتفاف من حولها
وليس كما هي الحال مع الجن المجهول هنا
ذي الطبائع الغريبة التي يصعب علينا تخمينها». (من أغاني التيه).
من خلال هذا المقطع يصف مجروح بصورة استعارية واقع أفغانستان منتقدا الحركات الظلامية، واصفا إياها بالجن المجهول. فأدب مجروح لا يمجد فقط المرأة، بل يعتبر صرخة حادة ضد الإرهاب والعنف الممارس ضد أفغانستان منذ ثلاثة عقود متتالية. كما أن الكاتب تطرق في كتاباته إلى مسألة تشكيل العشائر لمجتمع البشتون، الذي يتأسس وفقا للقيم الذكورية الذي يفرض بيئة صعبة وقاسية على المرأة. لكن ما فعله المؤلف من خلال نشره لكتاب «أغاني الحبّ والحرب: شعر النساء الأفغانيّات»، أنه أعطى صوتا لآلاف النساء المجهولات وسمح للقارئ بالدخول إلى أعماق قلب وعقل المرأة الأفغانية، والتوغل في ظلام المجتمع الأفغاني. فالإرهاب يمارس على المرأة عن طريق سلطة الرجل المفرطة، بالإضافة إلى إرهاب الجماعات الإسلامية المتشددة التي تواصل مشروعها الظلامي التدميري. وبذلك فإن جل الكتاب الأفغان رسموا لأنفسهم الطريق التي سلكها سيد بهاء الدين مجروح، من خلال كشف الواقع الأفغاني والعمل على منح المرأة سلطة وقوة الكلمات في الكتابة الروائية والشعرية. كما أن التمرد الأدبي ضدّ الرموز القبلية وضد الظلم والتهميش وإساءة الكرامة، أصبح من المواضيع الرئيسة التي تنسج حولها عوالم الرواية الأفغانية المعاصرة الحديثة.

٭ كاتب وباحث مغربي

سيد بهاء الدين مجروح: الأدب الأفغاني المعاصر صرخة ضد الإرهاب

عثمان بوطسان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية