القاهرة – «القدس العربي»: بدايته الجادة لم تكن توحي أبداً باتجاهه الكوميدي، الذي أصبح دالاً عليه، بعد أن تحول خريج هندسة الطيران في القوات المسلحة المصرية إلى ممثل.
إنه سيد زيان الشاب الذي بدأ مشواره الفني هاوياً في فرقة المسرح العسكري، وتم اكتشافه ليتأهل إلى الأدوار الخفيفة التي تناسب روحه المرحة وطبيعته الكامنة المائلة بالفطرة إلى التجسيد والتقمص وغواية التمثيل. الاشتراك في العروض المسرحية أثناء فترة الدراسة لم يشي بعمق الموهبة المتوافرة لدى الشاب النابه، الذي يجمع بين الذكاء العلمي في المجال الهندسي المركب، وتلك الطاقة الإبداعية المختزنة التي تبحث عن فرصة للانطلاق، كان الانتظار قدره، كما كان الصبر وسيلته، فقد ظل يبحث عما يناسبه ليثبت أنه موهوب، ولحسن حظه جاءت فرصته أمام فؤاد المهندس وشويكار في عمل كوميدي فارق هو «سيدتي الجميلة»، ليلعب دوراً مختلفاً، حيث يجسد دور اللص خفيف اليد «النشال» مع الفنان الراحل القدير جمال إسماعيل، فيوضع في منافسة قوية ويبرز كوجه جديد يقوم أداؤه على التلقائية والبساطة، فينفذ إلى قلوب الجماهير مباشرة، ويُعتمد كممثل كوميدي بامتياز، من دون وساطة أو محسوبية.
من تلك المحطة الرئيسية انطلق قطار سيد زيان نحو الشهرة والنجاح، مخلفاً وراءه صدى لضحكات عالية كانت رد الفعل الجماهيري لإفيهات الفنان ونكاته وخفة ظلة، ورغم ارتباطه بالمسرح الذي بدأ منه مشواره، إلا أن السينما أعادت اكتشافه مره أخرى، وقدمت له فرصاً أوفر ليؤكد ذاته الفنية ويسير بالتوازي في اتجاهين مختلفين في الشكل والمضمون لكنهما مكملان لمسيرته التي التزم فيها بوعي الفنان وقيمة الفن، فما قدمه في المسرح، سواء في فترة انتشاره أو نضجه لم يعط دلائل مغايرة لمعنى الانضباط والحرص على التميز، إذ قدم زيان مسرحيتي «العسكري الأخضر» و«البلدوزر»، ولعب فيهما دور البطولة مقدماً الشكل الأميز من الكوميديا التي تتسم بالطابع الفني الخفيف، من دون رخص أو ابتذال، ولكنه واجه أزمة بسبب كساد الحركة المسرحية وعدم تقدير الحركة النقدية لمجهوده إزاء العناية بما يسمى بالمسرح الصيفي المرتبط بنوعية خاصة من الجمهور، الذي شاركه فيه محمد رضا ومظهر أبو النجا ووحيد سيف ومحمد أبو الحسن وسيف الله مختار وسهير الباروني وهياتم والعديد من نجوم الكوميديا وأبطال الصف الثاني.
واجه سيد زيان الاتهام بالتجارية في صمت ومضى يقدم ما يمكن تقديمه في جو من القبول والرفض، وفي الوقت نفسه لم يقطع علاقته بالسينما، بل حرص على الوجود فيها في أفلام مختارة وأدوار منتقاة، وتعزز وجوده فيها بمشاركة النجوم الكبار مثل، عادل إمام الذي قدم معه فيلم «المتسول» ليظهر من جديد كنجم حقيقي يشكل دويتو مهم مع وحيد سيف في كوميديا اجتماعية تناقش قضية التحايل والنصب، وتطرح صوراً واقعية لأرباب التسول وأباطرة الابتزاز، وينجح الفيلم نجاحه المدوي فتتهيأ فرص إضافية لسيد زيان، وينتقل من الأداء الكوميدي المحض إلى أدوار أخرى ن تتنوع بين الشر والقسوة والبلطجة والاحتيال، وهي أشكال سينمائية كررها الممثل الراحل في أفلام كثيرة من أهمها، «وكالة البلح» و«شوارع من نار» و«ليلة ساخنة» و«البيه البواب»، فضلاً عن كونه قام بأداء شخصيات لها سمات مشابهه ولعب أدواراً تقترب من البطولة كما في «البنات والمرسيدس» و«وداد الغازية» و«الجراج».
ولو نظرنا إلى ما هو أبعد في مشواره الطويل، سنجد له إسهامات مهمة في أفلام كبرى كـ«أبناء الصمت» و«أريد حلاً»، غير أنه في فيلم مثل «صراع مع الموت» كان له حضور قوي بما يمتلكه من قدرة على لفت النظر والاستحواذ على المشاهد وإجباره على التركيز في أدائه دون غيره، وهو ما يسمى بلغة أصحاب المهنة سرقة الكاميرا.
وفي إطار تنوعه وتفوقه قدم سيد زيان للتلفزيون أدواراً ربطته بجمهور الشاشة الصغيرة وهي كثيرة، لكننا نختار من بينها دوره في مسلسل «عمر بن عبد العزيز»، لندلل به على قدرته على التصرف في الأداء بما يجعله بالفعل متميزا ومختلفا وغير نمطي، فقد أضفى على المسلسل التاريخي الجاد روحاً فكاهية قربت زمن الأحداث ومنحته طابعاً اجتماعياً معاصراً فبدت بعض محاوره كأنها إسقاط على الواقع المعاصر، وهو ما كان مستهدفاً من فكرة استحداث تاريخ أمير المؤمنين الذي اشتهر بالعدل والزهد وعُرف زمنه بالرخاء.
عاش سيد زيان مجتهداً ومخلصاً ومحباً لجمهوره وفنه، حتى بعد اعتزاله لظروف المرض الطويل ظل صابراً راضياً عن نفسه وحياته وقد ودع دنياه متفائلاً مستبشراً.
كمال القاضي