سيرة الخيام والإمبراطورية السلجوقية في «سمرقند»

حجم الخط
2

بقلم الرحّال، يجوب الروائي أمين معلوف صرح الماضي الأندلسي في روايته «سمرقند»، من خلال الإضاءة السيرية لحياة العالم والشاعر والفيلسوف عمــــــر الخيام، ويشرع النوافذ الأدبية على مصراعيها لتلقف كل شاردة وواردة عاشــــها الخيام في ظل الصراعات السياسية والطبقية القائمة آنذاك، وقد صدرت النسخة العربية من رواية «سمرقند» مترجمة عن النسخة الفرنسية عام 1977 في لبنان.
نجح الكاتب في تقسيم «سمرقند» إلى أربعة أجزاء، يحبكها الانسجام بدقة متناهية، ولا تتسربل بالعوامل الخارجية، أو تتداخل بطريقة شائكة. وبهذا جمع بين ومض الشعر في قلب شاعر يبرق بالإبداع، وفلسفة الوجدان والفكر المتأصـــلة في نفس فيلسوف، ارتقى بشكل تصاعدي للظاهر والمخفي، وسياسة في الملك تضجّ بها الرواية وتحفر في أخاديد تفاصيلها ساقية من التطورات المتتـــالية، بدون أن يتورّط الخيام في الخوض في خضمها المتلاطم باللجج الثائرة، حيث نراه ينتقد السائد والشائع، ويقول لعشيقته بشكل قاطع: «بحق الله يا جيهان هل تسعين إلى هلاكي؟ اتتصورينني قائداً لجيوش الامبراطورية، قاطعاً رأس أمير، قامعاً ثورة عبيد، دعيني لنجومي».
وتتناول الرواية جانباً مهمّاً لطالما تنازعت عليه الأقلام في شخصية الخيام، حيث اعتبره البعض كافراً جاحداً، منغمساً في دنيا اللهو والعبث والخمر، واعتبره الآخرون إنساناً يعيش على سجيّته دون أن يمسّ بالأذية غيره. هنا يبرز موقف أمين معلوف الذاتي في تحليل هذا الجانب الغامض، حيث يدسّ عبارات تدلّ على النفي المطلق لما أشيع عن الخيام من العربدة والإلحاد، ويبرّر له في مفاصل سردية كثيرة من الرواية مواقفه من الله الذي لغط فيه الكثيرون بدون طائل.
ويتطرّق معلوف للفرق العقائدي من خلال سرده لقصة صديق الخيام، حسن الصباح، من المذهب الإسماعيلي، الذي أسّس فرقة الحشاشين، ولُقّب بشيخ الجبل، فأمعن قتلاً وواظب على نشر عقيدته من الجبل بدون أن يبارحه، وشرح عن علاقته المباشرة بعمر الخيام، والخيط الواهي الذي ربطهما، رغم اختلاف عقيدتيهما، ومسيرة دربهما، الذي نُسج من وهج الفكر العميق فقط لا غير. ثمّ يستفيض في سرد ما قاساه الخيّام الذي يرتبط بكل بطلٍ من أبطال الملحمة التاريخية من حوله، سواء بعين الرصد المرئي أو اللامرئي، من قتل المعارضين لحكم الملك ملكشاه لجيهان زوجة الخيام وعشيقته، إلى تشريده من دياره، ومن ثمّ قتل مدوّن مخطوطه «ورطان». وقد قال في ذلك: «لقد شربنا المدامة نفسها، غير أنهم سكروا قبلي بدورة أو دورتين»، أي عاجلهم كأس الردى، وفضّهم من حوله بعد عشرة.
الحوار تأجّج في الرواية كرمزٍ للصراع الذاتي والغيري، وانقسم إلى طرائق شكلية خاصة في الملفوظ وتشخيصه. وعُرضت وجهات النظر بشكل متصاعد من المنطق إلى الفلسفة والغوص في الوجدان الإنساني. ونلحظ استخدام مصطلحات عربية قديمة للتوغل أكثر في أدغال التاريخ، حيث سادت الفصاحة والتبجّح بإتقان مفرداتها الصاخبة.
ما يضعف الرواية رغم صلابتها، فرض الكاتب رأيه الشخصي في الجدلية السائدة فيها، وإرغامنا على التأثر به بتحايلٍ خفي على منهجية السرد، وغياب عنصر التشويق في كثيرٍ من الفصول، حيث طغت عليها بلاغة وفصاحة اللغة المكتوبة بديباجة متكاملة ومتناسقة إلى حدٍّ يعيي القارئ من شدّة كماله.
مظاهر الشعرية غائبة عن الرواية، رغم أنها تتناول سيرة شاعر مهم جداً من العصر الأندلسي، وهو ما يتلافاه عادة أمين معلوف في رواياته التي يمتها للواقعية بشكلٍ صلب ومتناسق.
العنصر الأنثوي يلعب دوراً فعّالاً في سيرة تهيئة القارئ لعالمٍ أسطوري بزغ بين ثنايا التاريخ وولجه بمخيلته، حيث تتجلّى فانتازية الشرق بتورّطها السلس في البيئة التاريخية، التي كانت سائدة آنذاك. في البنية السردية تناسقٌ، وفي الوصف ترابط، يذكرنا هذا بالترتيب المحكم الذي اعتمده الشاعر فيكتور هوغو» في سرده وتوصيفه لبطله «جان فالجان»، وتصاعدٌ دراماتيكي للأحداث بدون أن ننسى الفرق في زمن وقوع الروايتين.
وأخيراً، في الفصل الأخير من «سمرقند»، ينتقل بنا أمين معلوف إلى زمن الراوي «بنيامين عمر لوساج» الذي ينتهي مع غرق الباخرة تيتانيك في أبريل/نيسان 1912 في أعماق المحيط الأطلسي، مع ضياع نسخته الأصلية للخيام في أعماق البحر.
عهد الإمبراطورية السلجوقية التي اتّسمت بالفوضى المضطرمة والأحداث المحتدمة، سطّرها أمين معلوف بأحداث أسطورية ما كانت لتعبر الزمن إلينا إلا من خلال كاتب متمرّس مثله، له دلالة على التاريخ والتنقيب فيه. فقد وظّف التاريخ في سبيل حبك الفن والخيال للتوعية والكشف عن قناع الزمن الغابر.

٭ كاتبة لبنانية

سيرة الخيام والإمبراطورية السلجوقية في «سمرقند»

نسرين بلوط

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية