لا تعكس محاولات الرئيس فلاديمير بوتين الرامية إلى استعادة النفوذ الروسي حول العالم، أو بعضا من مناطقه ذات الطابع الحيوي سوى حالة من حالات تدوير زوايا مفهوم الفراغ السياسي، الذي نشأ وترعرع في أذهان بعض المنظرين والسياسيين الغربيين عموما والأمريكيين منهم على وجه الخصوص، القائم على فكرة تفيد بأن المكان الشاغر يستدعي وجودا غربيا يملؤه ويحول دون تمكن أي قوى عالمية أو إقليمية أخرى من ملئه، في سباق طاحن لا مكان للمترددين والمتأملين والضعفاء فيه.
لكن الإخفاقات العسكرية الاستراتيجية والتكتيكية الغربية المتلاحقة والمراهقات السياسية المدفوعة بأوهام السيطرة على العالم، فضلا عن الإرث السوفييتي السائر في الاتجاه عينه، استجرأت ما يماثلها من أوهام في ذهن القيادة الروسية الحالية.
هذا التوجه الجيوسياسي، الذي أطلق عليه حينها «مبدأ أيزنهاور» ظهر في سياق تاريخي محدد لا لبس في معالمه، فلقد تزامن مع انحسار ظاهرة الاستعمار القديم وتراجع نفوذه في مستعمراته السابقة في المشرق العربي، ومناطق أخرى من العالم، ما مهد الطريق أمام قوة عظمى، مثل الولايات المتحدة لملء هذا الفراغ، متذرعة بضرورة سد الطريق على الاتحاد السوفييتي السابق ومنعه من ملئه، في حين يحاول الدب الروسي في اللحظة السياسية الراهنة، الاستفادة من المبدأ الاستعماري القديم واستنباطه بحلة ثالثة جديدة في مادة العلاقات الدولية، من خلال استحضاره معكوسا وتدوير زواياه المختلفة، الأمر الذي يخرج النقاش الدائر حول عودة أجواء الحرب الباردة، التي كانت قائمة على مبدأ توازن الرعب، من الحيز النظري ويضعه في صميم خريطة العلاقات الدولية في القرن الواحد والعشرين.
وإذا كان بوسع هذا التوجه أن يمهد الطريق أمام الوصول إلى قراءة موضوعية لمشهد العلاقات السياسية الدولية في اللحظة الراهنة من عمر البشرية، فإنه يضيء على ملمح آخر من المشهد نفسه، يخص مشرقنا العربي، ملمح يخرج الجهود البحثية الرامية إلى تفسير ما آلت اليه ثورات الربيع العربي عن الموضوعية ويدفعها باتجاه عدم المبالغة في تحميل العامل الذاتي المسؤولية الأولى عن مواضع الاخفاق في هذه التجربة الثورية الفريدة من نوعها، ويكمن ملمح الفرادة هنا في غلبة العوامل الموضوعية والخارجية منها على وجه الدقة، على مجموع العوامل الذاتية السائرة نحو التغيير السياسي.
في هذا السياق، يمكن فهم مجموعة التناقضات الظاهرية والتناقضات المتعمدة المتزايدة في مشهد العلاقات الإقليمية الشرق أوسطية بأبعادها الدولية، حيث لا يكفي الاستناد في هذه الطرح إلى إدراك الأسباب الكامنة وراء انغماس موسكو ولهفتها في الدفاع عن أنظمة الاستبداد التي قامت ضدها ثورات الربيع العربي، بل آن الأوان لإظهار عنصر بات يلعب دورا حاسما في تمكين النظام الروسي من فرد أجنحته في المنطقة، ويتمثل في إبداء أنظمة سياسية عربية حليفة للولايات المتحدة وللغرب، تاريخيا وتقليديا، حرصها الشديد ليس على طلب ود موسكو ومغازلتها فحسب، وإنما الاستدارة نحو سياساتها ومد جسور التعاون والشراكة مع مشاريعها حول العالم، فضلا عن الإصرار على إعطائها دور الريادة في مساعي إيجاد حلول لمشاكل المنطقة وقضاياها، التي تلعب روسيا فيها دورا سلبيا وقاتلا، كما هي الحال في القضية السورية، وكذلك نظيرتيها الليبية واليمنية، وبذلك يستحيل الشريك في الجريمة المرتكبة بحق شعوب هذه البلدان إلى فاعل للخير يسعى إلى اخراج هذه الشعوب من أزماتها.
ورغم أن الحديث يدور هنا حول مركزين احتكاريين أو قطبين عالميين متناقضين ظاهريا ويتنافسان على منطقة واحدة، هي منطقة الشرق الأوسط في هذه الحالة، إلا أنه ثمة عنصر استراتيجي مشترك يجمع بين توجهاتهما الخارجية ويشكل رافعة حقيقية لمشروع أي من هاتين القوتين العظميين وأطماعهما الخارجية، ويدفعهما إلى اظهار مزيد من الحرص على إطالة عمر أنظمة سياسية مهترئة لطالما عرفت باستبدادها ومعاداتها للديمقراطية وباستعدادها غير المحدود لمشاركتهما في نهب ثروات البلدان التي تحكمها تلك الأنظمة بالحديد والنار، حتى لو وضعت مصائر شعوبها في مهب المجهول.
إزاء هذا الاستعداد المتبادل ثنائي القطبية، معطوفا عليه انكفاء أمريكا عن المنطقة لأسباب استراتيجية باتت معروفة أهمها، استدارة الادارة الأمريكية نحو مناطق أخرى من العالم وتراجع اهتمامها بالنفط العربي، مضافا إليه النزعة القومية الشوفينية الناشئة في الجانب الروسي، لا يعود من الصعوبة بمكان فهم حالة «النمردة» الروسية في أكثر من منطقة حول العالم، بما فيها منطقة الكاريبي القصية، التي تشكل الفناء الخلفي لأمريكا الخارجة توا من انتخابات رئاسية نصبت رجلا لا يخفي إعجابه بذلك النوع من «النمردة» ولا تفوته فرصة، إلا ويعبر فيها عن إعجابه بشخصية مثل شخصية بوتين، التي باتت تحظى ايضا بإعجاب آخرين كانوا حتى الأمس القريب خصوما سياسيين، كالدولة العبرية التي لا تعد استثناء في مشهد تدوير الزوايا الجيوسياسية في الإقليم، حيث لم تشهد العلاقات الروسية – الاسرائيلية ازدهارا مثلما تشهده في اللحظة الراهنة، ما يعزز تقهقر مضاعفات الصراع العربي الصهيوني على السياسية الدولية، ويفتح الباب واسعا أمام مرحلة جديدة من التحالفات والتكتلات والاستقطابات التي بدأت في الظهور فعلا على الساحتين الاقليمية والدولية، على غرار معهادة شنغهاي للتعاون.
اذا كانت الحروب تفرض نتائجها على الأطراف المشاركة فيها، فإن القيادة الروسية بتحالفاتها الجديدة في منطقة الشرق الأوسط، تمكنت من تحويل مجموع الثورات العربية الهادفة إلى الارتقاء السياسي في السلطة، وتغيير أنظمة الحكم في بلدانها، إلى حروب طاحنة تخوضها دول صغيرة وكبيرة ضد عدو غير تقليدي مفبرك هذه المرة، لإتاحة الفرصة أمام «المنتصر» لفرض شروطه بطريقة لا تخلو من الابتزاز واللجوء إلى عقلية العصابات الاجرامية وممارساتها في الحالة الروسية، وإذا كانت الثورة العربية الكبرى بنت استراتيجيتها كامتداد لاستراتيجيات الحلفاء وشريكتهم الولايات المتحدة في الحرب العالمية الأولى، مفضية إلى تمكين الدول المنتصرة فيها من فرض نظام الانتدابات على الأقطار العربية بعد تفتيتها إلى دويلات صغيرة ملحقة بفرنسا وبريطانيا، فإن اللحظة السياسية الراهنة لا تختلف كثيرا عن سابقاتها، إذا أخذنا في الاعتبار التغيير القسري في طبيعة ومآلات ثورات الربيع العربي بالتزامن مع محاولات سلب شرعية هذه الثورات على يد قوى الثورة المضادة محليا وعربيا وإقليميا ودوليا، والدفع باتجاه خلق بدائل معوجة لن تتعدى حدود إعادة رسم مراكز النفوذ في المنطقة، وفق معايير دولية صارمة لا تعطي رغبات الشعوب وتوقها إلى الحرية والكرامة وزنا، في مشهد يذكر بأطروحة الفيلسوف الألماني نيتشه في كتابه «إرادة القوة»، التي تسير الإنسان والعالم وفقا لما ذهبت هذه الأطروحة، التي شكلت أهم المناهل التي تغذت عليها النازية.
٭ كاتب فلسطيني
باسل أبو حمدة