سيريالية الفساد في «تحوّلات الأشياء والشّخوص والأماكن» لعبد الحميد الغرباوي

حجم الخط
0

1 ـ وقفات على العتبات
« تحوّلات الأشياء والشّخوص والأماكن» هو الكتاب السّادس عشر من جملة تسعة عشر مؤلّفا تؤثّث مدوّنة الكاتب والفنّان التشّكيليّ المغربيّ عبد الحميد الغرباوي. صدر في طبعته الأولى سنة 2012 عن دار «العالميّة للنّشر».
صمّم الكاتب الغلاف على خلفيّة سوداء حزينة تتخلّلها طفرات من اللّون الرّماديّ تضيء بعضا من ملامح حيّ سكنيّ حضريّ يبدو قديما ذي جدران مقشّرة أفسدها الزّمن، وأرضيّة اسمنتيّة حرشة كوجه مجدور يجلو مدى التحوّلات التي طرأت على المكان وأشيائه وشخوصه. وفي التّصدير تخيّر لنا مقطعا شعريّا للشّاعر السّوري سامي أحمد (من ديوانه «شُبّه لي») يعوم في أجواء العتمة الحزينة ذاتها التي تبدّت في الغلاف كعتبة ثانية تؤدّي بنا مباشرة إلى فناء النصّ الدّاخليّ وغرفه المتعددة محمّلين بانطباعات مسبقة ومهيّئين نفسّيا لتقبّل ما ينتظرنا هناك: «عالم مقلوب/ وليل يدخل عليّ/ مثل فانوس أصمّ/ ليل ليس فيه/ إلا فانوس مكسور.
لم يصنّف الكاتب مؤلّفه هذا، وبصفة حصريّة، تحت راية أجناسيّة بعينها (قصص/ رواية (وسمها بمحكيّات) / شعر)، بل أردف العنوان بـ «نصّ». وهو بهذا يكون قد كسر أفق توقّع القراءة الظّاهراتيّة للمنجز الإبداعيّ، فالتّوزيع البصري للأسطر والمفردات على مساحة البياض أفقيّا وعموديّا، واعتماد الأعداد في ترقيم المقاطع يُحيلان رأسا إلى الشّعر، لكنّه مع ذلك فضّل الانزياح عن التصّنيف إلى التعميم في صيغة المفرد المتكثّر: «نصّ» يبلغ طوله خمسين صفحة من الحجم دون المتوسّط، وعدد مفاصل عموده الفقريّ تسعا وستين مقطعا أو نصّا صغيرا إن شئنا، ليجعل منه لوحة فنيّة ترتسم عليها مختلف الأجناس الأدبيّة (الشّعريّة والسّرديّة) والفنيّة، خاصّة الفنّ التشكيلي التي شكّلت مشارب التجربة الإبداعية للغرباوي، المتّسمة بالثّراء والتنوّع وتعدّد الإصدارات من جهة، وتعكس في الآن سيريالية «تحوّلات الأشياء والشّخوص والأماكن» المثيرة للانتباه والمحفّزة منذ العتبات الأولى على القراءة.
يعرّف إطاليو كالفينو القراءة بأنها «حثّ الخطى لانتظار شيء ما قريب الحدوث». ونحن ماذا سنلقى آخر هذا النصّ؟ ماذا ننتظر منه أن يقول؟ وأيّ متعة يعدنا بها..؟
الفزع هو ما ينتظرنا هناك عند آخر الصّفحة الخمسين، بعد أن نكون قد قطعنا رحلة بطول تسعة وستين مقطعا شعرياّ كاملة، ونحن نحاول النّجاة من برك الفساد المستشرية في كلّ القطاعات الحيويّة للبلدان العربيّة والإسلاميّة وكذا العالميّة، طالما أنّ الفساد وحده تقريبا المعولم بشكل سرطانيّ في الأنسجة الحيوية للمجتمعات الاستهلاكيّة، على الضدّ من أشكال التطور التقنيّ والمعرفيّ والاقتصادي للدول المتقدّمة: فسادة المؤّسسة التربوية والدينية والأخلاقيّة والاقتصاديّة ورائدتها في الفساد المؤسّسة السياسيّة.. لا غرابة إذن أن تنتظرنا هناك صرخة فزع تدوّم في فضاء السّماء فترجّعها أصقاع متفرّقة من العالم الواقعيّ والمتخيّل في آن: إلهي/ أهي النّهاية؟/ أهي النّهاية؟ (مقطع69/ ص50). صرخة مثقّلة بنكهة مركّزة من التشاؤم من إمكانيّة مستقبل أفضل تعلن عن عجز الكاتب الفرد على رصد كلّ هذا الكمّ من التحوّلات المريعة وملاحقتها إبداعيّا وفي كتاب واحد أو نصّ مفرد مهما طال وتعدّد داخليّا. ولكن هل التشاؤم متعة؟
طبعا لا، باستثناء الحالات المرضيّة من قبيل المازوشيّة أو الاكتئاب، غير أنّ الكاتب ليس من مهامّه تصنيع الأمل المجانيّ وتبذيره على رؤوس القرّاء، ذلك أنّ «التّشاؤم مطلق السّراح شأن من شؤون المثقّفين يصوغونه بإتقان محكم وأسلوب جميل»، ومن هذا الأسلوب الجميل الذي يعيد فنيّا إخراج القبح على نحو جماليّ متقن تحصل المتعة التي تحثّ القراءةُ القارئ على انتظارها عند نهاية النصّ.

2 ـ خطوات في الفناء النصّي
يفتتح النصّ سيرة التحوّلات بالمشهد التالي:
« الأشجار قرفت من المدينة/ فغادرت إلى الغابات.. » (م 1 ص7)
منذ هذه اللّحظة، أي لحظة قرف الأشجار من العيش في المدينة وقرارها المغادرة إلى حيث لا نعلم و» ثمّة أشياء صغيرة تحدث»، لقد بدأت تحوّلات الأشياء (كراسي المقاهي، النهّر، المآذن، أشجار الزّيتون، الكتب، النّار، الخمر، ساعة الحائط ..) والشّخوص (ديستوفسكي، لينين، نيوتن، نيتشه، بونابرت، مخترع الكهرباء، الصبيان، عامّة النّاس، روّاد الحانات، باخوس..) والأماكن (المدن المغربية ساحليّة وداخليّة، موسكو، واشنطن، طوكيو، بيغين، لندن، بغداد، حمص..). بيد أنّ هذه التحوّلات لم تقع تباعا في الزّمان والمكان كما نستشفّ من ترقيم المقاطع داخل النصّ ووفق التّرتيب المتقدّم.
فالتّفريع العدديّ لم يكن في واقع الأمر سوى تقنية إجرائيّة لفصل المشاهد المتعدّدة المعروضة في وقت واحد على مساحات بيضاء مستطيلة ومتتالية. وعلى اعتبار أن الكاتب هو أيضا فنّان تشكيليّ، وإذا ما تصوّرنا أنّه يوظّف تقنية القصّ والتّلصيق (فنّ الكوّلاج) في إنجاز لوحته فسيكون هذا الترقيم العددي بمثابة الخطّ الرّقيق الفاصل بين صورة ملصقة وأخرى بالكاد نلحظه. لأنّ ما سيطغى على النّظر هو هذا التّجاور الفنيّ لصور مختلفة حجما وشكلا ومضمونا ووضعيّة، التي بانتقالها من مصدرها الأصل إلى هنا / النصّ اللّوحة قد اكتسبت بالتّجاور دلالة غير التي كانت تُحيل إليها.
لقد جرت كلّ التحوّلات فورا وتزامنيّا فيما يشبه «الانفجار الكونيّ» وحسب تسلسل سببيّ سريع النّسق نجهل مبتدأه ولا نعرف منتهاه، طالما أنّ النّصّ خُتم بما يقارب القاعدة العامّة: (… وتستمرّ التحوّلات)، (ص50). فاكتسبت بذلك طابع العالميّة كانت المدينة مجالها الحيويّ، وكان الفساد صفتها الغالبة، حدّ أنّ الكاتب راصِدها وقف إزاءها في حيرة موجعة من أمره، عاجزا عن الفهم واستيعاب هذه التشوّهات والانقلابات التي طالت كلّ شيء وأحد تقريبا، الأمر الذي جعل أعصابه تنطرق، ورأسه يتصدّع فيخشع راجيا إلى ربّه: إلهي/ كم من حبّة أسبرين أحتاج/ لأوقف قرع هذي الطّبول في رأسي؟ (45 ص35). ولأنْ لا عقار لما أفسدته العولمة في الكون الذي صار في هذا النصّ مدينة صغيرة، يقرّر الكاتب بينه وبين نفسه: «لأفتح باب مخّي/ وأدخل حاملا فأسا/ كي أحفره/ علّي أعثر على منجم حقيقة ضائعة» (25 ص21). وسنرافقه بدورنا حتى هناك، لكن هل ترى سيعثر في «مخّه» عمّا يبحث عنه؟ وقبل ذلك، «ما» هي هذه الأشجار التي كانت، وحتى لحظة قرارها الهجرة الارتداديّة على ما يبدو إلى موطنها الأصليّ بالغابة، تمسك بجذورها توازن الحياة داخل المدينة وتنقّي بحفيف ورقها وهبوب أنفاسها الهواء في فضاءها من التلوّث البيئيّ والسّمعيّ..؟ وما مظاهر هذه التّحوّلات التي نجمت عن موقفها الاحتجاجيّ هذا؟
في البدء كانت المعرفة شجرة محرّمة: «وأوصى الرّبّ الإله آدم قائلا من جميع شجر الجنّة تأكل أكلا. وأمّا شجرة معرفة الخير والشّر فلا تأكلْ منها، لأنّك يوم تأكلُ منها موتا تموت». وفي القرآن نهى الله آدم وحوّاء معا: «ولا تقربا هذه الشّجرة فتكونا من الظّالمين».
تروي كتب التّراث أنّ المرأة هي التي مارست الإغواء الشيّطاني على آدم فسقته خمرا ومن ثمّ حملته على اختراق الحظر والأكل من الشّجرة الحرام، وبالتّالي ارتكاب الخطيئة التي لن تغتفر، فكان أن أغضب ربّه فطرده من جواره. في الجنّة إذن كانت الشّجرة، متوسّطة بالمرأة كأداة ناجعة للغواية من منظور الموروث الديني والميثيّ، السّبب الأوّل فيما طرأ على حياة البشريّ الهانئة من تحوّل سلبيّ نقله من حالة التّرف والكسل في حياض القدس حيث لا يجوع ولا يعرى ولا يتآمر على أحد ولا يصيبه حرّ أو قرّ إلى أرض يشقى فيها ويغشّ ويرتشي ويعتلّ، ومن ثمّ يموت ويتحلّلل بدنه إلى عفن فرميم. وكانت كذلك الملجأ الذي آوى إليها عاريا فمنحته ورقها يخصف بها على سوأته لمّا تبدّت له كشيفة. وعلى الأرض ستكون له المرأة فيما تكون شجرة. فهي التّفاح والجلّنار والكرز والتوت، وشعرها جدائل السّنبل، وقدّها غصن البان أو «شجرْ سرْولْ مْنِ الْهُبوبْ يْميلْ»، وهي إلى ذلك السّكن الذي يسقف روحه العارية ويهدهد ضعفه. شجرة فاتنة شديدة الإغواء توسوس له بقطف ثمارها كمثل ما وسوس له الشيّطان بالأكل من الشّجرة الحرام هناك، فيخضع حينا ويعتصم حينا ويتحوّل حاله من حال إلى آخر في الحالين.
في «تحوّلات الأشياء والشخوص والأماكن» تحضر المرأة بكثافة في صفتها المباشرة كما في بعدها الرّمزيّ، وفي لبوس الشّجرة كما في لبوس المدينة التي قرفت الشّجرة من العيش فيها فغادرتها. وكلتاهما الشجرة والمدينة أنثى في اللّغة: ساحرة ومغرية ولعوب. فالمدينة غادة كـ»بغداد» تأوي إلى سكن آمن بين «النّخلة والنّخلة» تهزّ جذع هذه فتمطرها «رُطبا جنيّا» وشرابا مريئا، وتميل إلى جذع تلك فتهبها ظّلا وسترا، غير أنّ الكاتب لفرط عشقه له صار يكره فيها ذاكرته الجريحة: «تبّا لهذه الذّاكرة/ كلّما نطقت بغداد/ برز أمامي حبل غليظ ومشنقة وجلاّد/ ونواس الجبان».
وهي إن كانت مدينة نائية مثلا فإنّها تهجر شجرها وبساطتها مأخوذة بسحر البحر، وكلّما/صارت قاب قوسين (منه)/ أغرتها برودة الماء/ فارتدت مايوها واستعدّت للغطس»(م 8 ص 9). والمدينة إلى ذلك غانية لعوب كموسكو «عاهرة تقاعدت بعد البريسترويكا / مباشرة/ وتتحدّث بفخر عن طول قامتها/ وعن زبائنها متعدّدي الجنسيّات الذي فاق عددهم المليار ( 4 ص36 ). أو كمثل باريس تختال في «الأنوار» محمّلة بتاريخ ثقيل من الوحشيّة الاستعماريّة قديما وحديثا، وإن تحت مسميّات جديدة كمقاومة الإرهاب أو حماية حقوق الإنسان في بلدان ساهمت بشكل ما فعّال في انتهاك الإنسان والإنسانيّ فيها لكنّها تغمز من خلف ستار لشركائها قائلة: «لا أنت رأيتنا ولا نحن رأيناك»، وهذه «حمص وجه الفجيعة» شاهدة ( 55 ص40).

3 … وتستمرّ التحوّلات.
شكّلت سرياليّة فساد التحوّلات في الأمكنة والأزمنة والشّخوص والمبادئ والأخلاق الدّينيّة والاجتماعيّة والسياسيّة التي انفجرت لحظة قرفت الأشجار من المدينة وهجرتها، الطّابع العامّ للتناصّ الدّاخليّ لهذا النصّ، حيث تفاعلت متون نصّية عديدة على القدر نفسه من تفاعل كلّ من الشّعر بكلّ خصائصه البلاغيّة والجماليّة والنّثر، من حيث أنّه لغة التّعبير عن «الجانب المرهق والقاسي من الحياة».
وكذا الخطّ المتعرّج لعمليّة اللّصق الرّفيع والمتين في آن الذي جمع كلّ فِقره التّسعة والسّتين إلى بعضها البعض مكوّنا نصّا/ لوحة تألّف بتقنية «الكولاج» سرديا وتشكيليّا من «صور» متفرّقة وقع «قصّها» من مصادر واقعيّة وتخييليّة وفنيّة مختلفة. ولئن حاول الكاتب اختراق هذا العالم المترع بالفساد والانحلال عبر استعمال العقل مكنّيا إيّاه بعبارة «مخّي» متوسّلا بالشّجرة الثّائرة (مقبض الفأس التي حملها وهو يدخل مخّه هي ابنة الشّجرة بالنّسب) إلاّ أنّه أستسلم في النّهاية إلى اليأس والتّعب: تعبت/ تعبت/ تعبت/ حدّ انقطاع الأنفاس../ الاختناق» (58 ص42)، وآثر أن يركن إلى انتظار النّهاية (ص49). لكنّه يأس مولّد للأمل المتحرّك في وعي الكاتب والمثقف المرتبط شديدا بواقعه والمتخبّط جنينا في رحم الكتابة، فكانت النهاية مفتوحة على المحتمل وغير المحتمل في آن، على استمراريّة الفساد تصاعدّيا وكونيّا، كما على استمراريّة الأمل في النّموّ والانطلاق. فقد يبلغ الفساد ذروته فينقلب الحال إلى ضدّه في ثورات شعبيّة أخرى تصمد على غير ما شهد الرّبيع العربي الحاليّ، أمام الالتفاف الخارجيّ وسياسات تحويل الوجهة الفظيعة لغير ما آمل به ثائرو اليوم من ثوراتهم التي سرقت، ودائما تحت منطق «لا أنت رأيتنا ولا نحن رأيناك».

ناقدة تونسية

بسمة الشوالي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية