سيـــجا

حجم الخط
3

كلما صحت الشمس، وسعنّا أصدقائي وأنا من أبناء المغتربين المصريين الذين يعملون في هذه المدينة من دائرة حركتنا حول البيت.
وقد تسمح أمي لنا بالذهاب إلى بيت الرمالي صديق أبي، لنلعب مع أولاده. هو ليبي متزوج من مصرية.
للبيت طريقان: الأول نقطع فيه الشارع العمومي إلى وسط المدينة، حيث السوق، ثم ننعطف يساراً في شارع جانبي، لنجد المبنى ضمن بيوت قليلة على حافة المدينة. الطريق الثاني مختصر نقطعه خلف بيتنا وسط المزروعات والأراضي الخلاء، لنصل خلف المنزل مباشرة. كنا نمر بأحواض القمح في الصيف، والفول الأخضر في الشتاء، ونمر بالمقابر أيضاً. النوارة تملأ الحقول، تنظر إلينا بعيونها السوداء، أخالها تبتسم لي أحيانا، لكن بعض العيدان تحمل قروناً ممتلئة.
قالت أمي: لا تقتربوا من زراعة الناس من دون إذن.
الفول طري له زغب أبيض ناعم وذو ريق حلو، وإذا أخذنا منه حفنة لن تحدث مشكلة، نقول لأنفسنا من دون كلام. يروادنا الفول كل يوم، على الرغم من أن أبي يشتري لنا من السوق كميات كبيرة منه، لا نتذكره ونحن في البيت ونضيق به إذا ما أحضرته أمي لنأكله مع الجبن، لكننا وأثناء اللعب نجده أمامنا، فنقطف عدة قرون ونركض.
في الطريق المختصر إلى بيت الرمالي توجد مقابر، فيها كثير من اللحود، قالوا لنا إن عفاريت كثيرة تمرح فيها. سألت لماذا يبدو أحدها صغيرا عن الآخرين؟ قالوا لأنه لطفل. قلت لماذا لا نرى العفاريت ونحن نمر بجوارها؟ قالوا يظهرون في السكون، وغالباً في الليل. تقشعر أجسادنا الصغيرة، ونسرع الخطى كلما اختصرنا طريقنا إلى بيت الرمالي لنلعب، لكنني مع الوقت، وكلما مررت بجوارها وحيدة، توقفت أمام قبر الطفل أتساءل: لماذا مات صغيراً؟ ولم أجد إجابة عند أحد، مع تكرار رحلتي لأصدقائي، رحت أبطئ السير شيئاً فشيئاً وأنا أمر بجوار قبره، ثم تحدثت إليه، وسألت نفسي إن كان يسمعني؟ تشجعت وأمنت له، فجلست أرتاح من الطريق بجوارالحجر الموضوع فوق رأسه، وكررت الجلوس عنده مرات، ثم قررت أن ألعب معه. لم أعرف كيف؟ تذكرت شيئاً، بحثت عن غصن صغير، والتقطت مجموعة من الأحجار المستديرة. رحت أحسن صقلها، ورسمت على الأرض بجوار رأسه مربعات متساوية، ووضعت قطع الأحجار البيضاء له، وقطع الأحجار الحمراء لي، وبدأت بيني وبينه مباراة سيجا، وتبرعت بنقل حجارته، لأنه مات صغيراً، ولا يستطيع القيام من رقدته. مع مرور الأيام، تطلعت لزيارة المقابر، واللعب مع الطفل الذي لم أعرف له اسما، أو صورة. صاحبت الموت، ولم أعد أخشاه، أو أخشى غروب الشمس، وأنا أمر بجوار القبور. بعد سنوات طويلة وأنا أمر بجوار قبور أخرى، عرفت أن الزمن مسجون أيضًا مع الجسد في الحفرة.

٭ قاصة مصرية

سيـــجا

هالة البدري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية