الرباط ـ «القدس العربي»: يبدو الباحث في المسرح المغربي أحمد بلخيري منشغلا بتدقيق المصطلح النقدي، من منطلق أن العلوم الإنسانية أفادت كثيرا النقد الأدبي العربي الحديث. ولذلك، ظهرت مناهج عديدة، استعار كل منها مصطلحه، إما من علم الاجتماع أو من علم النفس أو من علم اللغة أو من السيميائيات. وفي هذا السياق، ظهرت سيميائيات متعددة تبعاً لميادين اشتغال الباحثين.
ومن ثم، خصص بلخيري كتابه الجديد، الواقع في 159 صفحة من القطع المتوسط لتعريف «سيميائيات المسرح»، حيث أفرد الدراسة الأولى في هذا الكتاب لهذه السيميائيات. ويمكن اعتبار كلمة سيميائيات «البورسية»، نسبة إلى بورس الأمريكي، مرادفة لكلمة سيميولوجيا السوسورية الأصل، نسبة إلى «سوسور»، التي استمدها من كلمة سيميونس الإغريقية، رغم اختلاف تخصصهما المعرفي، فهذا لساني وذاك عالم منطق. ويبدو أن الاستعمال العربي اليوم يميل إلى استعمال كلمة السيميئيات على غرار الرياضيات والطبيعيات مثلا عوض السيميولوجيا. والسيميائيات بهذه الكتابة وبمجموع الأصوات المكونة للكلمة تختلف عن السيمياء، الذي يتعلق بمعرفة أسرار الحروف. ولا شك أن دوري كل من تاديوز كاوزن وباتريس بافيس مهم في هذا المجال، ولذلك تم تقديم تصوريهما، كلا على حدة، لهذه السيميائيات: سيميائيات المسرح. كما تمت الإشارة إلى بداية دخولهما إلى الثقافة العربية، فضلا عن تقديم ملاحظات عن كتاب «سيميولوجيا المسرح بين النص والعرض» لهاني أبي الحسن سلام.
أما الدراسة الثانية فهي مخصصة لكتاب «اللغات الدرامية وظائفها وآليات اشتغالها» لمحمد أبو العلا. وقد استفاد هذا الكتاب من التطورات المنهجية المعاصرة ومكتسباتها المنهجية والتحليلية، ويتجلى هذا من خلال انفتاح صاحبه على سيميائيات المسرح.
ثم توقف المؤلف عند السرقات الأدبية في دراسة بعنوان «في النحل والانتحال والاستنحال»، حيث دقق في محتويات هذه المصطلحات الثلاثة، مقدما نماذج عنها في الثقافة العربية المعاصرة.
بعد هذا، اشتمل الكتاب على تحليلين لنصين دراميين للكاتب المسرحي العراقي قاسم مطرود: «الجرافات لا تعرف الحزن»، «جسدي مدن وخرائط»، وهما نصان يعبران عن وضعية العراق قبل 9 نيسان/أبريل، أي قبل سقوط نظام صدام حسين؛ كما تجسد وجهة نظرة هذا المبدع العراقي المرتبطة بقيمة الحرية المتأصلة في الفن المسرحي عموما.
وضمّ الكتاب، أيضا، حوارين، الأول أجراه معه الصحافي المصري أحمد طايل، والثاني أجراه معه الشاعر والصحافي المغربي عبد الحق ميفراني. في الحوارين معا، يبرز تصور أحمد بلخيري لمفهوم المسرح، ولواقع المسرح المغربي، كما يقيم راهن الدراسة والنقد المسرحيين في المغرب. ويرى أن المسرح، بحسبه، هو فن الخطاب وليس فن الخطبة. ولأنه كذلك ـ كما يقول ـ فهو قائم على دعامتين: دعامة فنية تجتهد في ابتكار الأدوات الفنية اللازمة والتنسيق في ما بينها، بغية متعة فنية بالنسبة للمتلقي دفعا للملل وتربية الذوق والإحساس بالجمال الفني؛ ودعامة فكرية تنويرية تساهم في تقدم الوعي الإنساني، ذلك أنه لا تقدم بدون وعي، الوعي بالذات وبالمحيط العام، وهما دعامتان أساسيتان لا ينبغي التفريط في أي منهما من لدن الكاتب الدرامي والمخرج المسرحي. إن التفريط في أي منهما يؤدي إما إلى نزعة جمالية شكلية، وإما إلى السقوط في التقريرية والمباشرة.
ويختتم المؤلف بدراسة تحليلية لأطروحة سعيد يقطين، من منطلق إمكانية استفادة الباحث المسرحي من هذه الأطروحة على الصعيدين الاصطلاحي والمنهجي.
الطاهر الطويل