أصبحت الأزمة في سيناء في مركز اهتمام السياسة المصرية، فمن مشكلة محلية تعبر في إطار منها عن عقود من التهميش والاستبعاد للمجتمع السيناوي، انتقلت سيناء لتصبح في قلب اهتمامات الدولة المصرية. وكشفت تطورات الأحداث خاصة الهجمات المنسقة في 29 كانون الثاني/يناير عن حالة التخبط التي يعيشها نظام عبد الفتاح السيسي الذي سلم أمر المنطقة للجيش كي يقوم بمواجهة السكان الذين يشعرون بحالة حصار. وأدت سياسات الأرض المحروقة التي يتبناها الجيش لتقوية ساعد الجهاديين. ويشعر أهل سيناء أنهم بين نارين، فهم إن تعاونوا مع النظام قتلتهم الجماعات الجهادية بصفتهم عملاء وإن سكتوا دمرت بيوتهم. وبسبب ما قامت به الحكومة المصرية من عمليات تهجير لسكان مدينة رفح المصرية من أجل إقامة منطقة عازلة بين مصر وقطاع غزة يشعر السكان بحس الاقتلاع. وأجبرت الحكومة عدة آلاف من السكان على إخلاء بيوتهم ودمرت 2.000 منزل تقع على مسافة كيلو متر مربع من الحدود مع غزة. وأمهلت الحكومة بعض السكان 48 ساعة لإخلاء منازلهم التي عاشوا فيها لعقود طويلة. وكما نقلت صحيفة «فايننشال تايمز» فإجراءات تعسفية كهذه تدفع الناس للتعاطف مع الجهاديين. ونقل عن أحد سكان رفح الأسبوع الماضي قوله إنه لم ير أحدا من السكان ينضم إلى منظمة أنصار بيت المقدس أو لأي من الجماعات الأخرى بعد تدمير بيوتهم و»لكن لا أكذب إن قلت أنهم ليسوا متعاطفين فالناس يخافون من الجيش أكثر من الجهاديين فعندما تضطهد فإنك تتعاطف مع أي شخص يحارب مضهدك». وحقيقة شعور السكان بالخوف من الجيش أكثر من الجهاديين تعبير حالة عدم الثقة بين المجتمع السيناوي والدولة المركزية في القاهرة.
وفي إطار آخر تكشف العمليات التي نفذها تنظيم أنصار بيت المقدس والجماعات التي أعلنت عن ولائها لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا وغيرت اسم محافظة سيناء إلى «ولاية سيناء» عن تطور في قدرات الجهاديين وجرأتهم. ونقل مراسل صحيفة «فايننشال تايمز» في القاهرة عن صحافي محلي التقى أحد ناشطي التنظيم «قال لي إن لديهم جواسيس في كل مكان ويتلقون إخباريات عن هجمات الجيش المصري قبل نصف ساعة من بدء هجماته. وقال لي نعرف أن مروحيات الأباتشي ستأتي حتى قبل أن تقلع من المطارات». كل هذا يفسر القابلية لدى التنظيم على شن هجمات منسقة في العريش والشيخ زويد ورفح شمال سيناء. كل هذا يفسر الهلع الذي أصيب به الرئيس السيسي عندما عاد سريعا من إثيوبيا والقى خطابا مضطربا منح فيه السكان الفرصة للانتقام. وهذه اللغة تثير أسئلة عن فشل استراتيجية الرئيس المصري الذي سلم سيناء للجيش المصري وفرض على السكان هناك نظام حظر التجول. ويرى الباحث في المعهد الملكي للدراسات في لندن، أتش إي هيلير الذي قال إن الجيش المصري يلاحق على ما يبدو الأشخاص الذين يريدهم و»إن كان الهدف منع حدوث هجمات كهذه، فقد فشلوا» أي الجيش.
أصابع أجنبية
ومثلما حدث في تشرين الأول/أكتوبر فعندما هاجم الجهاديون نقطة عسكرية في كرم القواديس سارع الإعلام المذعن للنظام والجيش بتحميل «أجانب» مسؤولية أزمة ذات أبعاد محلية وإن تلبست شكلا عابرا للحدود بتقديم الولاء لدولة «الخلافة». وأكد النظام عزل سيناء عن بقية مصر وأصدر قوانين منع فيها الصحافيين من التطرق لعمليات الجيش هناك. ورغم التعتيم الإعلامي فقد ظهر واضحا أثر عمليات التطهير التي يقوم بها الجيش. وأشارت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى تدمير 800 بيت وتشريد 10.000 شخص. ووصف المتحدثون باسم السيسي بأن البيوت المدمرة كانت أوكارا للإرهاب. واعتبر الرئيس المصري العمليات التي يقوم بها جيشه جزءا من «حرب كبرى» لمواجهة قوى تريد «قصم» ظهر مصر. وضمن هذا السياق جاء الزج بغزة في معمعمة ما يجري في سيناء رغم عدم ثبوت علاقة القطاع بما يجري من عمليات هناك. ولكن السيسي ومن معه ممن يصورن ما يجري في صحراء سيناء كجزء من «الحرب على الإرهاب» يستخدمونها كذريعة لخنق القطاع وتشديد الحصار عليه والمفروض عليه منذ عام 2007. يبدو السيسي الذي ذهب إلى منتدى دافوس منتشيا وداعيا المستثمرين لحضور القمة الاقتصادية في القاهرة غير عابئ بالتفكير ولو مليا بجذور الأزمة في سيناء والتي ترتبط بالفقر والتهميش وحرمان سكانها من حقوقهم وهو ما شجع على انتشار الفوضى والتهريب الذي شمل كل شيء من البشر والبضائع إلى الأسلحة.
عقود التهميش
تعود حالة السخط لدى سكان سيناء إلى عقود طويلة وهي مرتبطة بالطريقة التي تعاملت فيها حكومة مبارك مع السكان حيث أنشأ النظام مشاريع تطوير أو «ريفيرا» في شرم الشيخ كان للرئيس المخلوع فيللا فيه وذهب إليها عندما أجبرته جماهير ميدان التحرير على التنحي. ولم يستفد سكان سيناء من كل مشاريع التطوير، فالنظام وإن شجع سكان جنوب مصر على الهجرة لسيناء إلا أنه منحهم أفضل الأراضي التي كانت تصادر من سكان المنطقة. واستبعدت بهذه المثابة القبائل البدوية من مشاريع السياحة والطاقة وتم حرمان منطقة شمال سيناء من المشاريع الاستثمارية. وكتب ستيف كوك، الباحث في مجلس العلاقات الخارجية أن الولايات المتحدة حذرت مبارك من أن «تجاهل سيناء سيلاحقه فيما بعد» وفي الفترة ما بين 2004- 2006 وصل عدد القتلى حوالي 130 شخصا، وشهدت المنطقة مناوشات بين الجيش المصري والقبائل البدوية. وتم اختطاف عدد من رجال الشرطة والسياح، وحدث عدد آخر من الهجمات بعد عقود من السياسات الضارة.
وظلت سيناء طوال العقود التي سبقت الثورة في ظل قوانين الطوارئ وردت قوات الأمن والاستخبارات التابعة لوزارة الداخلية على التهديدات النابعة من سيناء بالقمع واعتقال الآلاف وتعذيبهم حسبما ما وثقت منظمات حقوق الإنسان، وأسهمت سياسة التمييز بتغذية دوامة العنف السياسي وهمشت بدو سيناء أكثر وفصلتهم عن القاهرة.
فوضى
وبعد ثورة 2011 زادت حالة الفوضى وغياب القانون ووصل العنف ذروته في السنة القصيرة التي حكم فيها محمد مرسي حيث تردد في البداية بالتعامل مع العنف، واضطر لاتخاذ خطوات بعد مقتل 16 جنديا في آب/أغسطس وهو ما دفع مرسي لإحالة قيادة الجيش على التقاعد وتعيين عبد الفتاح السيسي وزيرا للدفاع للتعامل مع الوضع. مرت أربعة أنظمة على مصر بعد ثورة 25 كانون الثاني/يناير 2011: المجلس الأعلى للقوات المسلحة، إدارة محمد مرسي، حكومة انتقالية برئاسة عدلي منصور وأخير عودة الجيش بزي مدني بقيادة السيسي، ولم تستطع أي من الإدارات حل مشكلة العنف في سيناء. ويصر النظام الحالي على تطبيق الحل الأمني للتعامل مع الوضع في سيناء وتحميل الإخوان المسلمين- الجماعة المحظورة- مسؤولية ما يجري هناك. وهو ما يعبر عن حالة إنكار يعيشها النظام، فمشاكل سيناء معقدة وتحتاج لسياسات طويلة الأمد. ويصر النظام الحاكم على أن الحل الأمني يؤتي أكله، فبحسب الجنرال سامح سيف اليزل، مدير مركز الجمهورية للدراسات السياسية والأمنية التابع للحكومة الذي تحدثت إليه صحيفة «وول ستريت جورنال» فالعمليات التي يقوم بها الجيش إضافة إلى بناء السياج الأمني أدت لتحسين الأمن، وقال «سنشاهد من وقت لآخر بعض المشاكل، ولكن شبه صحراء سيناء مستقرة» وزعم قائلا «في الوقت الحالي كل سنتيمتر يسيطر عليه الجيش». ويناقض كلام الجنرال الهجوم الأخير، فبحسب ماهر الفرغلي الباحث في شؤون التشدد الإسلامي فالجهاديون «يعرفون أن لديهم قاعدة في منطقة سيناء»، و «يعرفون أن لديهم جماعات في محافظات مصر الأخرى، وعليه فهم قادرون على الهجوم في أي وقت وأي مكان، رغم ما تدعيه السلطات الأمنية».
عراق ما بعد الغزو
يرى بعض المراقبين أن الأحداث الجارية في سيناء اليوم تشبه الحرب التي شهدها العراق في منتصف العقد الأول من القرن الماضي. ويرى إيسندر العمراني، الباحث في مجموعة الأزمات الدولية أن وضعا كهذا «يدعو للقلق لأن الدولة الإسلامية لديها أسلوب وشبكة خبرات تقوم على إحداث شرخ في المجتمع وحشد الناس حولها وهو ما فعلته في العراق وسوريا». بعبارة أخرى فما تشهده سيناء اليوم هو حرب عصابات والسؤال هو إن كان النظام المصري جاهزا لهذه الحرب. وكما يقول خليل العناني، الباحث المصري في جامعة جون هوبكنز إن «الجيش المصري ظل يجهز نفسه لحروب خارجية وليست داخلية مما يعني انه قد يجر لحرب طويلة مفتوحة ومناطق مجهولة». وتعتقد صحيفة «الفايننشال تايمز» أن القمع المفتوح الذي يمارسه نظام المصري لن ينتج إلا متطرفين جددا، ولأنه يقوم على حسابات خاطئة، وهو الاستبداد نفسه الذي أدى لاندلاع الربيع العربي قبل أربعة أعوام. وذكرت الصحيفة السيسي أن الاستقرار الواهم الذي يبشر فيه لن يحقق التطوير الاقتصادي، وهذا لن يتحقق بدون انفتاح اقتصادي ومجتمع ناشط وليس نظاما رأسماليا يقوم على الشللية والمحاباة ويعيد الدولة الأمنية التي خرج ثوار التحرير للتخلص منها.
منطقة مهمة
تعتبر سيناء منطقة مهمة تقع على مثلت يجمع غزة، إسرائيل وخليج العقبة، وتتكون المنطقة من خمس محافظات من 27 محافظة في مصر، ورغم أهميتها الإستراتيجية إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 550.000 نسمة ظلوا يعانون من حس المواطن من الدرجة الثانية، بل وكتب مراسل «إيكونوميست» ان السكان نظر إليهم «كطابور خامس» خاصة بعد توقيع معاهدة كامب ديفيد عام 1979. ونظرا لحس الإهمال فقد بحث السكان عن طرق للنجاة وتجاوز الدولة من خلال التهريب وتخزين الأسلحة التي زاد عددها بعد انهيار الدولة في ليبيا. ويعتقد بعض المحللين أن المعاهدة المصرية ـ الإسرائيلية كانت سببا في تفاقم الوضع في سيناء وشجعت التهريب والإرهاب. ومن هنا فحل مشاكل المنطقة لا يكون عبر السياسات التي تؤكد غطرسة الجيش، بل كما يقول نيكولاس بيلهام مراسل «الإيكونوميست» من خلال توزيع الثروة والسلطة بعدالة، ودمج بدو سيناء في كل مظاهر الحياة العامة في مصر: في الأمن والبيروقراطية والمجالس المحلية والقطاع الخاص، وسيؤثر تطوير سيناء على قطاع غزة حيث سيعطي حماس حوافز للحد من نشاطات المتشددين داخل المناطق الفلسطينية.
إبراهيم درويش