قتلٌ وحرقٌ وتهجيرٌ لأسرٍ بأكملها على الهوية الدينية. قصصٌ وشهاداتٌ مروعة للضحايا عما عانوه، إذ يرثون مسحوقين مهانين من نُحِر من ذويهم أمام أعينهم، حالهم، ومنازلهم وذكرياتهم التي تركوها خلفهم، حياةٌ بأكملها.
غربتهم في بلدهم، من منهم كان يصدق أن يوماً كهذا سيأتي، حيث يفرون بجلودهم لاجئين إلى كنيسة في الإسماعيلية ليلحقوا بتغريبة النزوح في ما يقارب القرن من سرديات التهجير واللجوء في هذه المنطقة المنكوبة، ومع أنه ليس ثمة شك في أن مصير المسيحيين هو الأكثر بؤساً ودمويةً، إلا أن الإرهاب يتحرش ويفرض سطوته على المسلمين أيضاً، إذ استهل يمارس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر آمراً مسلماتٍ بارتداء النقاب.
كنت على وشك أن أستهل كاتباً «مرةً أخرى يضرب الإرهاب في سيناء»، لكنني وجدتها صيغةً مبتذلة.. صادقة، لكنها لا تفي. الحقيقة أنني، مثل مواطنين غيري كثر )ناهيك عمن يكتبون أو يهتمون بالمجال العام( سئمت من سيناريو يتكرر حتى بت أستطيع التنبؤ به بالحرف دون شبهة اختلافٍ أو خطأ، سئمت من ضحايا أبرياء يسقطون، سئمت من ردات فعل الحكومة وتصريحاتها التي لا تعدو في نهاية المطاف أن تكون تنويعاتٍ وصياغاتٍ مختلفة على البيان نفسه، بينما أشاهد رأي العين وأتابع توسع نطاق عمل الجماعات الإرهابية، سئمت السأم، سئمت العبث واللاجدوى والتبلد حيث اعتدنا على قمع النظام وإرهاب الجماعات واستهدافها المسيحيين.
بيد أن ثمة متغيراً شديد الخطورة، إذ على الرغم من تصاعد الاضطهاد والإجرام ضد المسيحيين، تزامناً مع صعود موج الإسلام السياسي، فإن تهجيرهم من سيناء على هذا النطاق مخيفٌ بقدر الانزعاج والقلق، بل الرعب، الشديدين، مما يُعد بهذا المعيار أو ذاك فرضاً للسيطرة الفعلية على الأرض للإرهابيين. لذا فإن الواقع والإخفاق على بشاعتهما يحيلان إلى ويطرحان العديد من الأسئلة التي لا يمكن الاستمرار دون الإجابة عنها.
أولها: ما الذي يحدث بالضبط في سيناء؟ بالطبع أنا وغيري ننشد إجابةً حقيقية معقولة لا تلك المكررة عن السيطرة التامة وردات الفعل العسكرية الساحقة الخ، فقد بات النمط محفوظاً سهلاً، نصحو يوماً على خبر هجومٍ إرهابيٍ على نقطةٍ عسكريةٍ ما (لعلها متكررة) في سيناء يذهب ضحيتها جنودٌ وربما ضباط، ثم في خلال يومين تطلع علينا الصحف ووسائل الإعلام نفسها التي نشرت خبر الهجوم بأخبار العملية صقر أو نسر أو أسد أو أي حيوانٍ أو طائرٍ آخر شرسٍ وكاسر التي قام بها أبطال وأسود الخ القوات المسلحة، فقتلوا عشرات الإرهابيين وعثروا بحوزتهم على كم من الأسلحة وسيارات الدفع الرباعي، ولا بد من صورٍ لقتلى ممددين على الأرض.
والملاحظ أن الاستخبار العسكري والقوات المسلحة دائماً متأخران على الحدث، لا يبارحان خانة رد الفعل. لنا أن نسأل: ما داما قادرين ومحنكين إلى هذه الدرجة ويصلان إلى معلوماتٍ عن الإرهابيين في أقل من أربعٍ وعشرين ساعة، فلم لا يعرفان مسبقاً بأمر الهجمات الإرهابية، فتقوم القوات بضرباتٍ استباقية تحبط الهجمات الإرهابية؟
كنا نتوقع بعد كل هذه السنوات والوعود بتسلم سيناء متوضئة، بأن نشهد بطأ في وتيرة الإرهاب إن لم يكن انكفاءً للظاهرة، لكن العكس هو ما حدث، وهذه المرة، كيف تسللت هذه الجماعات لمدينة بهذه الأهمية على ساحل المتوسط، فبسطت سيطرتها وقانونها وفرزت طائفياً؟ أين كانت هذه الدولة التي تكبس على الشبان في المقاهي محاسبةً إياهم على النية واللفتة، فتخفيهم قسراً وتصدر عليهم أحكاماً قراقوشية بالحبس لعقود؟
ثم أخيراً وليس آخراً: كم عدد هؤلاء الإرهابيين الذين لا ينفدون، رغم كل هذه العمليات المضادة للقوات المسلحة التي صفت فيها أعداداً كثيرة؟
لقد طال الأمر، ولا تبدو له نهايةٌ في الأفق، ومع اعترافي ببشاعة إجرام الإرهابيين الظلامي، فإنني لا أجد مفراً من الاعتراف بأن كذب الحكومة صار سخيفاً وممجوجاً، بل منفراً، وفي محاولةٍ للتجويد في الكذب تنش تفاصيل على العثور في المغارات على هوياتٍ تفيد بانتماء بعض القتلى لأجهزة مخابرات، هذه القصص غير محبوكة بقدرٍ يجعلها محط السخرية والاستهزاء.
من الوارد أن تكون انحيازات النظام المصري وتحالفاته الإقليمية قد اختلفت منذ 52، إلا أن آلياته لم تختلف، ومازال اللجوء للكذب واختلاق عالمٍ موازٍ، عاريا من أي صدق، خياليا تماماً، هو المهرب من بؤس الحال وفقر الواقع، وقلة الحيلة وانعدام الكفاءة والهزيمة الصريحة في بعض الأحيان، ولما كانت سيناء بعيدة وأصبحت من الناحية الفعلية مسرح عمليات، فإن المواطنين غير السيناويين لا احتكاك مباشر لهم بما يحدث بها، ويعتمدون على تغطية النظام بالأساس، وهذا الأخير يبدو أنه استسهل واستمرأ الكذب، وحين وُجد من يغطي عن درايةٍ وعلم بالمسرح السيناوي بمجاميعه السكانية وتعقيداته القبلية بحرفية وصدق وهو الصحافي إسماعيل الاسكندراني، فقد اعتقل.
ينبغي في خضم كل هذه المأساة الإنسانية والوطنية ألا يغيب عنا وجه التشابه الأساسي بين الجماعات الإرهابية والنظام، فكلاهما ينظر للناس ويتعامل معهم كرعايا، لا مواطنين، وبالتالي فلا حيز للمشاركة الفعلية والمجال العام من المحظورات، وتحت غطاءٍ من القمع والخوف، تُفرض السلبية على المواطنين الذين يضحون عاجزين، محشورين في خانة المفعول به، يشكل النظام والجماعات وعيه وأولوياته.
جأر بها أمل دنقل في اقتباسٍ من أبي الطيب «نامت نواطير مصر عن عساكرها وحاربت بدلاً منها الأناشيد». مات دنقل ومضى ما يقارب النصف قرن، لكن لم يتوقف الانحدار والتدهور، ومازالت حروب الأناشيد والانتصارات الخيالية.
في الحقيقة مصر لا نواطير لها، بل هناك فئتان تمارسان العنف والقمع وتتنازعان السيادة، إحداهما النظام وهو أكثر ترهلاً، وأقل كفاءةً يرتدي ثياباً عصرية، والآخر هو الإرهاب المتأسلم وهو أكفأ وأكثر ظلاميةً، ونحن واقعون في الوسط بين هذا وذاك، غير مسموحٍ لنا بالمشاركة.
لا مخرج لمصر وللمنطقة من هذا النفق سوى بالمصارحة والمكاشفة والمشاركة الشعبية، وتوسيع دائرة الحريات، فوحدها الشعوب الحرة هي التي تنمي ملكاتها وقدراتها وتستطيع التصدي للتحديات، أما إذا استمر النظام في كذبه المفضل، راكناً الشعب على الهامش، فلا محيص من استمرار الانهيار وشلال الدم، والسؤال هو: لقد ضرب الإرهاب في سيناء، وقلب القاهرة وهجّر مواطنين وفرض حكمه، فما هو المقبل؟ سؤالٌ آخر: لقد فضحت هزيمة 67 خواء وكذب وتسوس النظام، فهل تفعل الجماعات الإرهابية الشيء نفسه مع النظام في مرحلة السيسي؟
كاتب مصري
د. يحيى مصطفى كامل