آخر ما تفكر فيه بعض القنوات التلفزيونية المغربية هو المشاهد، إذ يحصل أن تحذف برنامجا ما في آخر لحظة دون مبرر معقول ودون أدنى اعتذار أو إشعار مسبق. وبذلك، تضرب عرض الحائط الميثاق الأخلاقي غير المكتوب مع المشاهدين، من جهة، وتغض الطرف ـ من جهة أخرى ـ عن مقتضيات «الخدمة العمومية في الإعلام السمعي البصري» التي تربط القنوات المذكورة مع الإدارة المكلفة بمراقبة مدى الالتزام بتلك المقتضيات والمسماة في المغرب «الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري».
ما وقع قبل ثلاثة أيام خير مثال على ذلك، إذ عملت القناة الأولى على تأجيل حلقة جديدة من برنامج «قضايا وآراء»، كانت ستخصص لموضوع «السيناريوهات المتعلقة بتشكيل الحكومة الجديدة»، وكان من المفترض أن يشارك فيها الإعلاميان عبد الله البقالي (من حزب الاستقلال) وعبد الحميد جماهري (من الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية) والدكتور سعد الدين العثماني (من حزب العدالة والتنمية) وميلودة حازب (من حزب الأصالة والمعاصرة).
وكشف البقالي أن القناة التلفزيونية بررت تأجيل تلك الحلقة بتخصيص البرنامج لموضوع أهمية الزيارة الملكية لبعض الدول الإفريقية. مبرر مقنع بالنظر إلى راهنية الحدث وضرورة التفاعل معه. ومن ثم، انتظر العديد من المشاهدين بث البرنامج المباشر، لكن القناة ألغت هذه الحلقة، وعوّضتها بعرض السلسلة التلفزيونية «ساعة في الجحيم»، من غير أي اعتذار للمتتبعين أو توضيح ما حدث.
الزميل عبد الله البقالي اختار صفحته «الفيسبوكية» لنشر تدوينة تساءل فيها ساخرا: كيف تحولت مناقشة «السيناريوهات المتعلقة بتشكيل الحكومة الجديدة» إلى «ساعة في الجحيم»؟
كيف حدث كل هذا؟ ولماذا حدث؟ من استطاع فهم ذلك، فليعننا على الفهم ولو قليلا!
بدورنا، لا نزعم أننا فهمنا شيئا مما حدث، ويبقى التأويل مجرد تخمينات تحتمل أكثر من وجه، فإما أن إدارة التلفزيون تعتبر ذلك البرنامج مساحة زمنية لتعذيب الجمهور ليس إلا، بحكم أن الناس صاروا أميل إلى البرامج الخفيفة والسريعة مثل «السندويتشات»؛ وإما أنها ترى في التحركات التي يقوم به رئيس الحكومة المعين من جديد، عبد الإله ابن كيران، بهدف الوصول إلى صيغة توافقية للتشكيلة الوزارية المرتقبة، أشبه ما تكون بحالة شخصيات السلسلة التلفزيونية «ساعة في الجحيم» التي تشد الأنفاس، لأن أبطالها يقودون أنفسهم أو ينقادون إلى مواقف صعبة وخطيرة أحيانا. والظاهر أن ابن كيران يوجد في وضع لا يحسد عليه، ولا يغمض له جفن، لكونه مطالبا بتفكيك معادلات مستعصية، من أجل رسم الخريطة الحكومية المرتقبة، فهو يحاور ويفاوض أطيافا سياسية متباينة، ينطبق عليها وصف «الإخوة/ الأعداء».
«استعارة» منشطي برامج!
شيء آخر يستعصى على الفهم في كواليس التلفزيون المغربي، هو «استعارة» منشط برنامج تلفزيوني من خارج القناة. وإذا كان وجود عبد الرحمن العدوي معدا ومقدما لبرنامج «قضايا وآراء» مفهوما ومستساغا، لأنه ابن «دار البريهي» حتى وإن صار يدير إذاعة حرة؛ فإن ما ليس مفهوما هو إسناد مهمة تقديم برنامج «ضيف الأولى» لشخص لا علاقة له بتلك المؤسسة الإعلامية، كما لو أن هذه الأخيرة لا تتوفر على كفاءات قادرة على القيام بتلك المهمة على أحسن وجه.
ولم يتردد أحد أبناء الدار هو الصحافي عبد الغني جبار (مقدم نشرات إخبارية) في الإعلان عن رأيه صراحة عبر أحد المواقع الإلكترونية، حيث كتب أن السؤال الذي ظل محمد التيجيني يتهرب من الإجابة عليه: من أوصله إلى ميكروفون القناة الأولى؟ ولماذا هو بالضبط؟ وخاطبه أيضا بالقول: «لا تغتر وتظن أن الأولى لا يوجد فيها كفاءات ومنشطون قادرون على تنشيط برامج سياسية مباشرة. فهم كثر، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا هم مهمشون؟ ولماذا لم تمنح الفرصة نفسها لهم من أجل الظهور؟ وأنت، مَن اتصل بك وأتى بك إلى «الأولى»؟
سبق لمصادر إعلامية أن ذكرت أن محمد التيجيني الذي يدير تلفزة إلكترونية من خارج المغرب، كان مختصا في الهجوم على إدارة الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، لكنه ما إن جرى التعاقد معه لتقديم البرنامج الحواري المباشر حتى حذف تلك الفيديوهات المنتقدة من على شبكة «اليوتيوب». ولا يتردد كثيرون في القول إنه لا يلتزم بالحيادية والموضوعية في برنامجه «ضيف الأولى»، حيث يميل إلى تيار سياسي معين على حساب باقي التيارات.
السخرية من «فرنسية» المغاربة!
في «توك شو» فرنسي، أخذ منشط البرنامج يسخر من الطريقة التي تُكتب بها اللغة الفرنسية في عدد من الشوارع والمحال والمرافق العمومية في المغرب (مطاعم، فنادق، مقاهي الإنترنت، مراحيض، مصحات)، وزعم أنه خلال زيارته لهذا البلد، التقط صورا فوتوغرافية لعدد من الأخطاء اللغوية المتعلقة بكتابة الفرنسية، وقام بتكبير الصور وعرضها على الشاشة.
هكذا يتبين أنه، بقدر ما يصر كثير من المغاربة على تبعية المستعمر القديم، بقدر ما يحوّلهم هذا الأخير إلى مسخرة أمام العالم، وذلك بسبب اللغة التي يقلدونها تقليدا أعمى، ويهجرون لغة بلادهم. فكثير من الفرنسيين متّصفون بالاستعلاء والنرجسية، ولا يرضون على الآخرين حتى ولو أقرّوا لهم بالتبعية اللغوية!
كاتب من المغرب.
الطاهر الطويل