الحكاية برمتها مبنية على الاختلاق والفبركة، بدأت باصطناع بيانات وافتعال تصريحات، والترويج لها من خلال تغطية واسعة وظفت فيه آلة إعلامية جبارة، ومن ثمّ انتهت إلى ترتيب قرار بمقاطعة دولة جارة بناء على تصريحات بادرت سريعا إلى تكذيبها وبيان زيفها، ما يعني أن قرارا بهذه الخطورة ليس وليد الأمس، بل إنه قرار بيّت بليل وصرّف بفجر، ولم يكن يعني الجماعة في شيء تكذيب الشقيق الذي شذّ عن إجماع العائلة الخليجية. فقد بتَّ في أمره، ولم يعد هنالك من مجال للتراجع أو العدول عن إنفاذ الحكم فيه.
بدأت الحملة الإعلامية المحمومة التي شنها الإعلام الدائر في فلك السعودية – مصر – الإمارات في أعقاب مؤتمر الرياض، ولم تهدأ بالرغم من النفي القطري الجازم للتصريحات المكذوبة والبيانات المفترية، بل اتّجهت إلى التصعيد، فتحوّلت إلى حملة تخوين وشيطنة تجاه الدوحة وأمرائها وشيوخها، واتّسعت لائحة الاتهام بدءا بدعم وتمويل جماعات إرهابية، وانتهاء بالسعي إلى زعزعة استقرار جيرانها.
هذا الموقف سيسجله التاريخ على السعودية بوسم الخزي وختم العار لينضاف إلى سلسلة سياسات نهجتها ولم تصبّ دوما في صالح الأمة، وإنه موقف دنيء ومفتقد للشهامة ذاك الذي عبّر عنه الإعلام الدائر في فلكها بانخراطه في الشماتة والتشفي، والاحتفال المسبق بما سيقع على رأس قطر من مصائب ويلحقها من عواقب وخيمة بسبب الحصار المفروض عليها، وكأن في الأمر بطولة تستوجب الاحتفال، وكأني بالرازح تحت الحصار إسرائيل حتّى نفرح ونهلّل بكلّ هذه الحماسة لهذا «الفتح العربي» الاستثنائي. أمّا ما صدر عن الإعلام المصري فيمثل حالة خاصة ومذهبا غير مسبوق بالمرة في الصحافة العالمية يجدر أن تدرس كتابات أعلامه وتحليلات نجومه باعتبارها الدرجة الصفر في الإعلام، وقياسا عليها ستعتبر دعاية « غوبلز « النازي ولغة « الصحّاف « مقبولتين إلى حدّ بعيد.
وإن كان من تفسير لتمادي الإعلام السعودي – الإماراتي في غارته على قطر بالرغم من تكذيب مسؤوليها لصحة البيان، فمعناه أن الجماعة تواطأت مسبقاً على ألا تترك خطّا للرجعة. فقد رتّبت سلفا خطوات تصعيدية تقود إلى تنزيل ما سبق أن سمّته « كوندوليزا رايس « وزيرة الخارجية الأمريكية في عهد جورج بوش الابن « فوضى خلاقة « تعيد رسم خريطة المنطقة عبر تطويع ما تبقى من بؤر للممانعة في منطقة الشرق الأوسط بما يدخلها تماما إلى بيت الطاعة الأمريكي. وقد تماهى هذا التكتيك إلى حدّ كبير مع طموح السعودية لتصير فاعلا إقليميا على غرار ما تأتّى لإيران وتركيا منافسيها البارزين على النفوذ في المنطقة، ولأن دويلة بحجم قطر ناكفت منطق الهيمنة والوصاية الذي تمارسه الرياض على عواصم الخليج، فقد توجّب تركيعها وإذلالها، وتلقينها فنّ الصمت حين يتكلّم الكبار.
وحيث أنّ قطر قد مثّلت خلال مؤتمر الرياض ذلك الصوت النشاز الذي أفسد ما اعتبرته الولايات المتحدة والسعودية نجاحا باهرا استوجب أن يحتفل به الطرفان من خلال رقصة العرضة في ساحة قصر الحكم بالرياض، ولأن أمير قطر امتنع عن الانخراط في رقصة سلمان وترامب بخطاب شذّ به عن اللحن العذب الذي ردّدته الجوقة على مسامع الضيف الأمريكي من خلال تأكيده على موقف بلاده الداعم للمقاومة، وتحفظه على تسمية إيران راعية للإرهاب في المنطقة، فقد توجب تأديبه عقوبة له بعزل إمارته وحصارها برا وبحرا وجوا.
ولأن الرئيس الأمريكي ترامب اعتاد الحديث بصراحة تتجاوز في كثير من الأحيان حدود اللياقة، فقد فضح من خلال تغريداته المثيرة ما لم يكن في حاجة إلى إيضاح حين غرّد بأن الثمار الأولى لحربه على الإرهاب قد بدأت سريعا في الظهور، فقد أشارت أصابع عدّة حين افتتاح مركز « اعتدال « إلى قطر باعتبارها حاضنة للإرهاب في المنطقة، فما كان من ترامب إلا أن يردّ الإشارة بأحسن منها، لتتلقّف الجماعة ضوء ترامب الأخضر، وتطير بحماسة تلميذ يجتهد في خدمة معلمه من القول إلى الفعل. بدأت الحرب إذن على الإرهاب، ولم يكن من خيار أفضل من الشقيق المزعج ليقدّم مهرا لضيفة السعودية «إيفانكا»، وقربانا إلى وليّ أمرها ترامب.
وبينما كان من المفترض أن تمثّل القمّة الإسلامية الأمريكية مناسبة ينتهزها العرب لإثارة انتباه ترامب إلى الإرهاب الإسرائيلي، ودعوته إلى ممارسة مزيد من الضغط على الدولة العبرية لإيقاف سياساتها الاستيطانية، فإن سلوك الوشاية والتحريض الذي نهجه حكام عرب تجاه الإمارة القطرية يكشف بما لا يدع مجالا للشك أن القضية الفلسطينية لم تعد همّا عربيا يحظى بالأولوية في المنتديات والمؤتمرات، بل إن بعضهم قد تفاعل بشكل لا يخلو من حماسة مع نعت ترامب لحركة حماس بالإرهاب حين أومأ إلى قطر بأصبع الاتهام باعتبارها ملاذا آمنا لأعضائها ومرتعا للإخوان ومن على شاكلتهم. فعجبا للغامز واللامز والواشي! فقط لو أنّ أيديهم لم تتدنّس بالدم العربي في سوريا وليبيا والعراق، فقط لو أنّهم بلا خطيئة.. لتفهّمنا أن يرموها بحجر، ولتطوعنا جميعاً فهيّأنا لهم مزيدا من الحجارة!
فهل من نجاح أبعد من هذا الذي حققه ترامب في مؤتمر الرياض؟ عصافير عدّة أصابها بحجر واحد؛ رشوة قياسية في الجيب نفحته بها السعودية، ووعد بعزل ومحاصرة كل كيان داعم للإرهاب، وذاك لعمري حقّ أريد به باطل! فالمطلوب حقيقة هو رأس المقاومة، أما خنق قطر وحصارها سياسيا واقتصاديا فلا يعدو أن يكون وسيلة لا حاجة معها إلى أي تبرير. إنّ شأن قطر في هذه الحكاية كشأن السود في أفلام الرعب، يموتون لا لشيء سوى لأن بشرتهم سوداء.
اتّضحت النوايا إذن وما عاد من مجال للشك في أهداف هذه القطيعة المبيته بليل. تتمثل الغاية المعلنة التي تحرك السعودية ومحور « الاعتدال العربي « في إنهاء كل شكل من أشكال الإرهاب في المنطقة، إنّما خلف هذا القصد المعلن تتوارى نية مبيتة تستهدف اجتثاث المقاومة التي تهدد أمن إسرائيل تحت غطاء محاربة الإرهاب، وهي لعبة خبيثة سيسجلها التاريخ على آل سعود تنضاف إلى سلسلة المؤامرات التي انخرطوا فيها ابتداء من إسهامهم سيء الذكر في الإطاحة بالخلافة العثمانية، ومرورا بدورهم في كل النكبات والنكسات التي ابتليت بها الأمة العربية، وانتهاء بتآمرهم على المقاومة ومن يدعمها بدعوى مكافحة الإرهاب.
هكذا وبإطلالة سريعة على لائحة من اختاروا الاصطفاف إلى جانب السعودية نهتدي إلى تكوين فكرة عامّة عن محور الاعتدال العربي المزعوم، محور جمع ثيوقراطيات عائلية (السعودية والإمارات والبحرين) وأنظمة انقلابية (مصر، موريتانيا، ليبيا)، فأي خير ترجو الأمّة من وراء تجمع كهذا؟ أيّ أفق ينتظر المنطقة بعد هذه الحركة الهوجاء التي قادتها السعودية؟ وأيّة عواقب وخيمة ستترتّب على القضية الفلسطينية وآفاق الحرية والديمقراطية في المنطقة من وراء هذا الفعل؟
في المحصّلة فإن نتنياهو قد خرج باعتباره الرابح الأكبر من قمّة الرياض وإن لم يتبوّأ مقعده بين الحضور. فمن المؤهّل أفضل منه لينضمّ إلى رقصة العرضة وهو ينظر إلى ثمار ما يعتمل في الخليج وهي تصبّ في سلّة إسرائيل؟ وهل كان لمتفائل في الكيان العبري أن يحلم يوما بسيناريو أمثل لأمن إسرائيل من هذا الذي تكتب فصوله السعودية والإمارات بإشراف من الإدارة الأمريكية الجديدة؟ هكذا لم يعد وحده نتنياهو اليوم من يهتف ويعيد كل مرة بأن حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي منظمات إرهابية، الجماعة كلها صارت في صفه، تردّد اللازمة ذاتها، وتشمت في اختناق المقاومة تحت الحصار، وتسعى من حيث تدري أو لا تدري في خدمة الأجندة الصهيونية!
انتهى زمن الهتاف بالموت لأمريكا والهلاك لإسرائيل، لم يعد للأمة العربية من أعداء اليوم سوى إيران وقطر والإخوان وحزب الله وحماس! أما إسرائيل فيهودها أبناء العمّ ولا إشكال معهم ولا همّ. شتّان إذن بين كابوس يعتمل هنا، وحلم يتبلور هنالك!
حين نتأمّل الخطاب الذي تتبناه السعودية وأخواتها حاليا، وننظر في قوّته وتماسكه وقدرته على الإقناع والتعبئة نتذكر أنه لم يحصل يوما أن مارس خطاب النخبة الخليجية جاذبية على الجماهير العربية، ولن يحصل اليوم بالتأكيد، وليس من الوارد أن تعوّل السعودية على إقناع الخاصّة أو العامّة بجدارة ما تتخذ من مواقف وجدوى ما تنتهج من سياسات. فقد جرت العادة أن يقرر حكامها أمراً لتصفّق النخبة المرتزقة ويطبّل الإعلام المأجور، وما من حاجة حينئذ لآراء ومواقف « الرعيّة «.
في مواجهة خطاب كهذا سترتمي قطر ومعها الأغلبية العربية الصامتة لا محالة في حضن الرؤية الأردوغانية الواعدة ببعث أمجاد الأمّة الإسلامية، وقد تقع رهينة الدعاية الإيرانية الأقرب إلى أحلام الكتلة، إذ إنّ خطابها المؤسس على وعد بمحو إسرائيل من الوجود وكبح عربدة الشيطان الأمريكي الأكبر في منطقة الشرق الأوسط سيغدو الخطاب الوحيد المدغدغ للمشاعر، والأكثر إقناعا وجاذبية، كما أن موقفا أرعن كالذي اتخذته أطراف المقاطعة بدفع من ترامب سيكون كفيلا بجرّ قطر للتموقع مع ما تبقى من محور الممانعة، ما سيهيئ موطئ قدم لتركيا في شبه الجزيرة العربية (حدث فعلاً)، وقد يوفّر مستقبلاً جيبا استراتيجيا لتواجد روسي إيراني محتمل في موقع سيؤلم بشدّة خاصرة السعودية، فيكون محور الاعتدال العربي قد هيّأ بذلك فرصة مثالية أبانت الأعوام الأخيرة عن براعة روسية إيرانية عجيبة في انتهازها والانقضاض عليها، ولن يكون من سبيل حينئذ أمام الجماعة غير الإذعان والقبول بوضع أعقد سيقت إليه بسبب تشنجها وتخبطها في ردود فعل غير مدروسة العواقب إزاء النفوذ الإيراني المتنامي والدور الروسي المتعاظم في المنطقة.
ويكفي المتتبع لتبيّن سذاجة ورعونة السلوك السعودي المبني على الاندفاع العاطفي والمفتقد لأي رؤية استراتيجية أن يوازن بين ما تعيشه السعودية من تخبط في المستنقع اليمني، وبين ما تسجّله إيران في المقابل من نجاحات مبهرة في العراق وسوريا واليمن من دون أن تزجّ بنفسها بشكل مباشر وبالكامل في أرض المعركة على غرار ما هو حاصل مع السعودية التي صارت مدنها في مرمى صواريخ الحوثيين.
لسنا ننكر قدرة السعودية وحلفائها على إلحاق الضرر بقطر، ولا نستبعد أن تنقاد الأخيرة – وهي معذورة إذا فعلت – إلى القبول بما طوّقت به من شروط مجحفة، إنّما كيف لهذا التحالف أن يقنع الجماهير العربيّة بسلامة ما اتّخذ من قرارات تصبّ جميعها في خدمة الأجندة الأمريكية وضمان أمن إسرائيل؟ وأيّ أجوبة هيّأ المبيّتون بليلٍ لحصار قطر عن أسئلة ساذجة يطرحها المواطن العربي من قبيل : هل بمقاطعة قطر سينتهي الإرهاب من الوجود ويعم السلام الكون وتتحرر فلسطين وتعتدل درجة حرارة الكوكب؟ أم أن قرارا كهذا كفيل بإعداد أرضية خصبة لمزيد من انتعاش الإرهاب الداعشي وانتشار الفكر المتطرّف؟
وفي انتظار إجابات لهذه الأسئلة سيكون عل كل إماراتي حدّثته نفسه بالتعاطف مع شقيقه القطري في محنته أن يفكر مليا، فالتعاطف وحده كفيل بأن يقذف به خلف القضبان لمدة أدناها ثلاث سنوات وقد تصل حتى خمس عشرة سنة! ألا يعدّ هذا جواباً مفحما لأسئلة الجمهور العربي السّاذجة؟
كاتب من المغرب
محمد اليونسي