كل يوم تقريبا، ولفترة امتدت أسابيع، ظلّت تتردد أمام اللبنانيين جملتان، إحداهما لبيار شماسيان وهو يقول» أنا ما بجوّز بنتي إلا لأرمني، نقطة، سطر»، وذلك في الإعلان عن فيلم «زفاف.. يان» الذي كما يظهر من عنوانه، يحكي عن العلاقة بين الأرمن اللبنانيين وسواهم من اللبنانيين غير الأرمن. الجملة الثانية من فيلم «محبس» ويقولها جابر جوخدار لجوليا قصار، لحظة استقبالها له عريسا لابنتها: «شلونك خالِه»، هذه قلبت مزاج الحماة وهيئتها في ثانية، لتبدأ بعدها المشاكسات والمناورات بين العائلة اللبنانية والعائلة السورية تفتعلها الزوجات: اللبنانية باصطناع المكائد، والسورية بإبقاء أنفها مرفوعا إلى الأعلى، أما الرجلان، الأبوان، فأكثر حكمة وتسامحا، هكذا، كما ينبغي تبعا للشائع من الكلام والأمثال عن دور الحموات الباقي من ما قبل أيام ماري منيب.
على أي حال لن تجد مخرجة الفيلم صوفي بطرس ما يعكّر في إبقائها الناس على ما هم موصوفون به في الكلام الشائع العامي، فهي، في مقابلات صحافية أجريت معها ومع أفراد من فريق العاملين في الفيلم، أوحت بأنها ستبقى هناك، على ذلك السطح، محاذرة أن تتطرّق إلى أي من المشكلات التي تعتمل تحته. وهي، في مقابلة أجريت معها، قالت إن اختيارها هذا الموضوع لفيلمها ربما يساعد «قليلا» على حل هذه المشكلة.
«قليلا»، لكن لا ضير في أن لا يساعد أبدا طالما أن المخرجة ضيّقت مجال الإختلاف بين هؤلاء وأولئك، حتى في المعايير العامية المذكورة أعلاه. فالعائلتان، السورية واللبنانية، من دين واحد، وحتى لا اختلاف في المذهب على نحو ما سبق أن شاهدنا في الفيلم الأميركي «زفاف يوناني» الذي ربما كان حاضرا في ذهن من كتبوا نص الفيلم اللبناني؛ ولا اختلاف في الطبقة الإجتماعية، فالعائلة السورية كما ظهرت قابلة لأن «تبيّض الوجه»، فخاتم الخطوبة الذي أتت به جميل وثمين، وأناقة العائلة، بكامل تفاصيلها، ملفتة. أما العائلة اللبنانية، من جهتها، فلم تذهب بعيدا في مغالاتها ورطاناتها ولم تظهر أثرا من الإعتداد اللبناني، المعتاد بإزاء مجاوريه. أما الضيعة فبقيت كما كانت من قديم، رائقة هادئة ولم ترتفع في شوارعها تلك اليافطات الفارضة حظر التجول على من سمّتهم غير اللبنانيين بعد الساعة الثامنة مساء.
لا شيء ينبغي أن يكون خلافيا. ذلك من أجل أن يتاح للمكائد الصغيرة، مثل أن تستل تيريز خاتم الخطوبة من جيب العريس لتضعه في محفظة أمه، أو مثل أن تستدعي صديق ابنتها السابق ليفاجىء العائلتين بانضمامه إلى طاولة الغداء، إمكانية أن تحلّ من تلقائها. لكن، ومع سوء التفاهم الهيّن، كان ينبغي أن تجد المخرجة سببا للتفريق بين العائلتين، أو بين الشعبين تاليا، وهي وجدته في صورة أخيها المعلٌقة على جدار في المطبخ. كان قد قضى في قذيفة سورية في أيام الحرب، قذيفة طائشة مما ينزع أي قصدية لمقتله شخصيا. ثم أنه لم يبد حزينا في صورته، ولا هي حزينة تيريز أخته التي تظل تكلمه، وهو يجيبها بشطارته وخبثه، جالسا إلى مازته وكأس العرق لا يبارح يده. وهذا ما يدل، على أي حال، أن معاناة اللبنانيين من وجود الجيس السوري في أيام الحرب، وبحسب الفيلم، باتت باردة، وهي ليست بين البنود الأولى للسجال.
ألعائلتان فقط مناط بهما إجراء المصالحة، والزواج من ثم، بين السوريين واللبنانيين، وهي مصالحة ترضى المخرجة بأن تكون قليلة، سواء في ما يتعلّق بمدتها أو بمداها. وأحسب أن بعض ذلك القليل قد تحقّق في أثناء وجودنا في الصالة. كان الجميع هنا، كما كانوا في صالات أخرى بحسب ما علّق طاقم الفيلم بعد عرض دبي، راغبين ومصفّقين للمصالحة التي أجرتها الخاتمة بين العائلتين. بل وربما سيصمد ذلك القليل حتى بعد وصول المشاهدين إلى منازلهم. ذاك أن هؤلاء مهيّئين أصلا لأن يحبوا بعضهم بعضا، كما لمعاداة بعضهم البعض. يستطيع كل منهم أن يحمل الشعورين معا، وأن يبدّلهما في لحظة مقرّبا أحدهما بعد أن يبعد الآخر. كان ذلك حالهم منذ سنتين أو ثلاث، وقد نجح الفيلم، بقليله ذاك، أن يرجعهم إلى هناك، أيام كانوا متراوحين بين الحب والكره. أما الآن فلم يعد سهلا أن تزيح معلّم الباطون عن سخطه من حلول السوري محلّه وبنصف أجره، وذلك بأن تقول له إن لديه عائلة هو أيضا ولا سبيل له إلا أن يعيلها. «إنهم مليونان هنا» يقول، معتمدا على إحصاء الوزير، ويضيف أن عائلة السوري إن عاشت فإن عائلته ستموت…
هي مصادفة أن يتفق الفيلمان «زفافيان» و«محبس» على موضوع واحد، وقد أبقاهما ذلك أشهرا قيد العرض في الصالات، على الرغم من أنهما ليسا الآن في درجة السخونة ذاتها.
٭ روائي لبناني
حسن داوود