سينما يوسف إدريس… الإبهار بالفكرة بعيداً عن توابل الإغراء

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي» من كمال القاضي: كتب يوسف إدريس 12 مجموعة قصصية و10 روايات، وهو إنتاج غزير كان يستوجب في ظل التميز الأدبي والشهرة الواسعة للأديب أن يكون منهلاً لكُتاب السينما ومخرجيها، ولكن المفارق واللافت أن ما تم تناوله سينمائياً كان قليلاً قياساً بالإنتاج والمستوى الرفيع للكتابة وعمق الأفكار وطبيعة القضايا التي اعتنى بها الكاتب فيما كتب عبر تاريخه ومسيرته.
ثمة قراءة مكثفة لبعض أفلامه تحتمها الذكرى السنوية لرحيله التي تحتفل بها الأوساط الثقافية بشيء من الأسى والرثاء بأثر رجعي، تعبيراً عن حالة الفقد المؤلمة للأديب وإبداعه وتدليلاً على بقاء مساحته وساحته الإبداعية شاغرة منذ رحيله وإلى الآن، ولأن السينما هي زاويتنا في هذا المقام وهي أيضاً مرآة التصوير والانعكاس لبعض رواياته وقصصه فإننا نوليها اهتماماً خاصاً لأنها بالقطع لعبت دوراً رئيساً في مد الجسر بين الكاتب والمبدع وبين عموم الجماهير، فأخرجته وإبداعه من دائرة المثقفين إلى محيطات العامة بكل أذواقهم وأمزجتهم وميولهم.
وقد فرض هذا الاتساع الشعبي والجماهيري على السينما تناولاً مبسطاً ومخففاً، من دون تمييع لأهم القضايا الواردة في أدب يوسف إدريس ومن ثم كان هناك نوع من الانتقاء لبعض القصص والروايات الأكثر ملاءمة للطبيعة السينمائية وخطابها ولغتها الفنية، وبالتالي لم تحظ الغالبية من أعمالة الأخرى بالرواج السينمائي، وظل التوظيف الفني استثنائياً ربما لأنها كانت ذهنية أو أنها لا تتضمن في تفاصيلها ما يسمح بإضافة المشهيات والتوابل الحريفة اللازمة لشباك التذاكر، وأقول ـ ربما ـ لأنه لا يجوز القطع في هذه المسألة بالتكهن وافتراض الأسباب، ولكنها محاولة لتفسير موقف السينما في تقصيرها أو تحفظها أو تهيبها لإبداعات من نوع مختلف للكاتب المبهر نفسه.
في رواية «الحرام» طرح المخرج هنري بركات رؤيته السينمائية من المنظور الأدبي ذاته فاعتنى بالحالة الإنسانية الكلية في إطار ما ورد في الرواية من معطيات الفقر والبؤس والعوز للأبطال والشخصيات إبان فترة تاريخية كان فيها الفقراء من الفلاحين والأجراء في الريف المصري رهينيين لدى الإقطاعيين يعانون المرض والجوع ويعيشون حياةً يكتنفها الخوف من كل شيء، وقد رمز لهذا الواقع المزري بالفلاحة التي ذهبت مع عمال التراحيل لتعمل مكان زوجها المريض بمرض البلهارسيا، ذلك المرض العضال الذي كان إشارة بليغة للإهمال الصحي والاجتماعي، وفي واحدة من ممارسات القهر والعبودية راود ابن الإقطاع الفلاحة عن نفسها مقابل حصولها على ثمرة البطاطا، وبين رفضها وجوعها وقعت فريسة للذئب البشري وحملت سفاحاً أثناء وجودها خلال مدة العمل القسري الاضطراري مع عمال التراحيل، ووضعت جنينها الذي قتلته خطأً أو مات منها فكانت العقدة التي بنى عليها سعد وهبة السيناريو كله بمواطن تأثيره وتراجيديته بأداء بارع ورائع لبطلة الفيلم فاتن حمامة، من دون أدنى استغلال حسي للشخصية والموضوع.
وفي «النداهة» وهو ثاني أشهر الأفلام المأخوذة عن قصص الأديب إدريس نرى أن المسافة بين المدينة وحضارتها وحداثتها وبين الريف وبساطته وفطرة أهله هي المحور الأساسي للأحداث عند يوسف إدريس فالبطلة القادمة من القرية بصحبة زوجها البواب تمثل النقاء الريفي للشخصية التي صدمتها الحضارة وبهرتها المدينة، فأخذتها النداهة إلى أحلام الرفاهية وحياة النعيم فعاشت صراعاً داخلياً محتدماً بين تربيتها الريفية الأخلاقية ومتغيرات الواقع الجديد باتساعه ودهشته، وعلى قدر ما كان ممكناً من التوظيف الجسدي للبطلة لمزيد من الجذب الجماهيري لم يحدث هذا الانزلاق وجاء الفيلم مقنعاً في إطاره الروائي الطبيعي من دون إضافات، ليظل الملمح الأدبي هو الأوضح في القصة والسيناريو والرؤية الإخراجية لحسين كمال.
لقد ظلت قضية الشرف هي الشغل الشاغل ليوسف إدريس في معظم أعماله وأتصور أن ذلك عائد إلى تكوينه الريفي الأخلاقي فهو رغم تطوره الفكري والثقافي ظل حريصاً على تعظيم مفهوم الشرف بكل دلالاته وهو ما وضح تمام الوضوح ونقلته عنه السينما في أعمال مثل «حادثة شرف» و«العيب» و«قاع المدينة»، وأيضاً في قصة «العسكري الأسود»، رغم كونها قصة سياسية تدور أحداثها عن المعتقلات والتعذيب، إلا أنها تناولت الشرف أيضاً في جزء بالغ التأثير حين اغتصب العسكري أحد المعتقلين الســــياسيين ليحمله على الاعتراف بانضمامه لخلية سياسية تعمـــل ضد النظام!
هذه القصة قدمها للسينما كتابة وإنتاجاً وإخراجاً الكاتب والمخرج والمنتج أحمد فؤاد درويش في آخر فيلم روائي طويل تعامل مع أدب يوسف إدريس بعنوان «حلاوة روح» تم عرضه منذ سنوات وكانت البطولة فيه لكمال الشناوي ومحيي إسماعيل وأحمد ماهر وفريدة سيف النصر.
في تجربة فريدة ومهمة عادت فاتن حمامة لتقدم مرة أخرى عن قصة ليوسف إدريس فيلم «لا وقت للحب» مع رشدي أباظة لتكشف لنا مع المخرج صلاح أبو سيف عبر الأحداث المثيرة الجانب النضالي في وعي الكاتب والأديب بطريقة مشوقة وطرح سياسي مغاير يبعد كثيراً عن الخطابة والمباشرة وينطوي على حالة رومانسية شديدة الرقة والعذوبة بين البطل والبطلة في تواز مهم للخطين الأساسيين اللذين تقوم عليهما العلاقة العاطفية والإنسانية بين الطرفين.
ولأن موهبة يوسف إدريس موهبة من العيار الثقيل فقد عمد كبار السينمائيين إلى الأخذ عن إبداعه ليس في القصة والرواية فحسب، وإنما نقلوا إلى الشاشة ما جاء في مقالاته الصحــــافية من أجواء وحكايات ونوادر وقصص، إذ نقل عنه المخرج يوسف شاهين فكرة فيلمه «حدوته مصرية» التي تحكي سيرته الذاتية إبان نشرها ونسج منها ما شاهدناه من أحداث درامية في الفيلم الذي حمل ملامح كثيرة من حياته الفنية والإنسانية والاجتماعية، وهو ما يعد سبقاً ليوسف إدريس في تقديم سيرة المخرج قبل أن يجسدها هو نفسه بالصوت والصورة.
السينما الروائية القصيرة اعتنت بإبداع يوسف إدريس القصصي تمام العناية فقدمته في أفلام مهمة وقفت على حدود المعاني والأبعاد وطرحته بمفهوم فلسفي إنساني لم يجاف الذائقة الفنية للجمهور على مختلف ثقافاته وميوله ووعيه، فكان من بين ما تميزت في طرحه وتصويره أفلام مثل «بيت من لحم» و»طبلية من السماء» و»الشيخ شيخه» وغيرها من أفلام أخرى قُدمت بمعالجات مختلفة وحملت عناوين قريبه من عناوين القصص الأصلية بنوع من التصرف، من دون مساس بالجوهر، وقد شكلت التنويعات القصصية عند الأديب تنوعاً سينمائياً ثرياً يمثل رافداً ثقافياً مهماً.

سينما يوسف إدريس… الإبهار بالفكرة بعيداً عن توابل الإغراء

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية