سَيْرنة الذات بين البوح والتجريد… شاعرات من المغرب نموذجا

حجم الخط
0

في الشعر النسائي المغربي، ثمّة تجارب تعكف على صوت الذات التي تصغي إلى انطفائها جسديّاً واجتماعيّاً، وتحاول إنهاضه من جديد على نحو ما يُشْبه سفراً في صحراء، وحالة عطش دائم يبحث عن ارتوائه في سراب الذكرى، البعد والغياب.
لهذا، تتّخذ من الطبيعة وانهيارات العالم حالةَ عزاء، ومن استقصاءات الوجود الشعور الميتافزيقي الغامض والمتوتّر بها حالةً من مساكنة الجسد والتماس المعاذير والحيل تجاهه، كما لدى الشاعرات عائشة البصري، ثريا ماجدولين ورجاء الطالبي.
في مجمل دواوين عائشة البصري، بما فيها آخرها «ليلة سريعة العطب»، نكون بصدد ذاتٍ مُفكّرة خبرت معناها في الوجود والحياة من حكمة الخسارات التي شبّتْ عليها وعاركت عودها، فنحسُّ بأنّها تُقيم داخل شعرية الخيبات التي تتلوّن بإيقاعها، في سلسلةٍ من الدوالّ لا تنتهي، بموازاةٍ مع تأمُّلها في طبيعة تتراخى من حولها، وعالمٍ «متحضِّر» يموت؛ وإذ هي تُسائل هذا أو تلك لا تسمع لصوتها اللائب سوى ترجيعات صدىً في الصحراء تقول:
«سرابٌ/ فراغٌ/ تَوَحُّدٌ/ وَحْشةٌ/ ظَمَأٌ…
أَوْصافٌ لِلصّحراء ولروحي رِداء.
لَوْ عَرَفَتِ الصحراءُ مَنْبَعَ العطش،
لَبَرِئَتْ روحي من دُمَلِ الحياة» ( ليلة سريعة العطب)
داخل الصحراء، تشعر ذات الشاعرة بأنّها «عابرة سبيل في غابةٍ من الإسمنت»، ووحيدة تستطعم مرارة الجرح، لا أحد يدنو من جسدها الذي عرّش كاللّيْلك، ويقطف شهواته. وضدّاً على الخراب الذي يطال العالم، ونِكايةً في الخسارات التي أُشْربته، وعزاءً للجسد المُؤجّل، تحلم الأنا بعالمٍ بديل في الحُبّ والفقدان والكتابة، وتُدوّنه في أزمنة وأمكنة معاشة ومُتخيّلة. تحلم حيناً بشراسة، وحيناً آخر بقلب طفلة وعين شاعرة تقول:
«يحدثُ غالباً،
أن أستلقي في المَابَيْن،
نظرةٌ للسماءِ،
وكفٌّ يَحْضِنُ التُّراب.
أُرَتِّقُ أحلامي
قبل أنْ تتحرّشَ بي مجازات القصيدة»
في شعر ثريا ماجدولين، منذ باكورتها «المتعبون» (2000)، لا يُخطئ القارئ صوت الأنثى الشجيّ وهي تبوح بتهيُّؤاتها ومواجدها في الحيرة والقلق، أو هي تستدرج ذاتها إلى البوح بأسرارها وعذاباتها الدفينة، أو هي تكتب جسدها الذي انطفأ أو انحدر إلى العدم. ذلك ما نعيد استكشافه من جديد في «سماء تشبهني قليلاً»، وإن بدت الذات أرفع صوتاً، وأنفذ مجازاً. تقول في قصيدة «نقش الروح»:
«جسدٌ أَعْمى
عَلَى مَهَلٍ
يَفْتَحُ عَيْنَيْهِ
ولا يَرى أَحدا…
جسدٌ لا يُشْبِهني
يسيرُ أبعد ما يكونُ
عن رغوة النار
ودون اشْتِهاءٍ
يَلْبَسُ عُرْيَهُ
يَقِفُ خَلْفَ الرُّوحِ
ثُمّ يَنْدَثِر…» (سماء تشبهني قليلاً)
من هذا الشعور الفادح على حدّي الحيرة والغياب، تُشكّل أنا الشاعرة ذاتاً وموضوعَ قيمةٍ في الوقت نفسه، كضربٍ من إرجاء المعنى الذي يستديم وعيها الحادّ بنفسها ويُؤجّج رغبتها الدفينة، بقدر ما يحفزها على التماهي في المرآة كشكل من البوح والعري و»مقاومة» داخلية لظلِّ الغائب ووَهْمِه الذي يعتصرها ويحاول تهشيمها ونفيها، وهو ما ينجم عنه صراعٌ عفويٌّ تفيض به هذيانات «المكبوت» و»المهمل» و»الظليل». تقول في قصيدتها «لا وقت لاختلاس الأنفاس»:
«يا امرأةً
تُقيمُ في جسدي
تَمْلؤُهُ بِالْأَسْرار
تُطرِّزُ حَواشِيَهُ
بِخُيوط الصّمْت
اِرْحَلي مِنْ جَسَدي
أَقيمي خارجي
لَسْتِ مِنْ هذا الَّزمانْ»
نعتقد أنّ تجربتها الشعرية في ديوانها الأحدث «أيّ ذاكرةٍ تكفيك؟»، اغتنمت هذا الصراع، واعتنت من فواعله وشرائطه، فبدا صوتها أكثر شفافيّة للبوح والفرح، وجسدها أكثر قابليّةً للتفتُّح والحياة والتنعُّم بلذاذاتها، ومراياها أصفى انعكاساً وتجلّياً، وذاكرتها أدعى للنسيان. تقول في القصيدة التي افتتحت به ديوانها:
«لَنْ تحتاجَ إلى لَيْلٍ آخر
لِتَصْنع حُلْماً
وَتَسْكُنه
فَلَدَيْكَ عِنَبُ الظّهيرةِ
مُعلَّقاً في سَقْفِ رُوحِكَ
وَلَدَيْكَ ما تَكْتُبُهُ الشِّفاهُ
على جِدار الكَأْسِ
لَكَ القَطْفُ
والعَزْفُ
وَما شَعْشَعَ في عَيْنَيْكَ
مِنْ ضَوْء الجسَدِ
لَكَ إمارَةُ هذا الجَسَد» (أي ذاكرة تكفيك؟)
في نصوص أخرى، لشاعراتٍ مثل: حليمة الإسماعيلي، فاطمة مرغيش، حسنة عدي، حفيظة حسين وسواهنّ، نكتشف أنّ أنا الأنثى، على الرغم من مسحة الحزن التي ترين عليها، يتوهّج في عبور الطبيعة الحيّة بأستقصاءاتها الأربعة (الماء، الهواء، النار والتراب)، بحيث يعيد صوغ الحياة عبر إعادة ترتيب عناصر المكان المحدقة بها على نحوٍ يثير في الجسد فاعليّة حضوره حتى في لحظة وهنه أو غيابه، ولا يستسلم إن كانت شواهد الغياب والفقدان والموت تلتمع من كُواها، ومن مشاهداته لها.
وفي هذا المنحى تكتب رجاء الطالبي بلهجة سرّانية:
«في الظلال المعتمة
لجذوع الغابة
في الرفرفة الخفيفة
لأرواحٍ لا مرئيّة،
في زقزقة المفاجأة
تكسر مهابة الصمت،
في الشعاع اليتيم
المنبلج من صمت
التربة والجذور المتثائبة،
أسري بدون أجنحة» (عزلة السناجب)
ومن المكان نفسه يتناهى إلينا صوت زينب الشروقي مؤذيًا في الصميم:
«اِمْرأةٌ في بئر اليُتْم أَشْلاءْ
وأصابعُ تمتدُّ نحو صُرّة الصباح.
تنعزلُ في رفّ الروح.. مراسيمُ لِلْبَوْح
يدي تشدُّ الترابَ
وتحيط بأشكال اللّيْل.» (كمائن الورد)
وبغير قليل من مكابرة الأنثى وتحدّيها، تكتب مليكة معطاوي:
«أسافرُ في دُجى الأحلامْ،
تزعزعني رياح الشوق،
تنشرُ فوق أغصاني غيومَ دمارْ.
أمدُّ يدي من خلف انكسار جِدارْ،
أضمِّدُ جرحَ ليلي كلّما
مات الهوى في المُقْلتيْنِ
وماتت الأشواقْ» (أسرار الظل الأخير)
وفي احتمائها بالذاكرة حيال عالم متيبّس طاعن في اليأس والجمود واليباب، إذ تنثرها في شكل شذراتٍ مكثّفة وموجعة لا تتكلّم إلا الغياب بلغة «حِداديّة» أو قريبة منها، نعثر على الأنا التي تقاوم الفراغ ولا تقعد عن طلب الحرية والسعي إليها بروحٍ مُكابرة، كما لدى كثيراتٍ، لكن الأقلّ منهنّ من خلّصها من زوائد العاطفة الرتيبة، مثل لبنى المانوزي، زينب الشروقي، سناء بلحور، أمينة الصيباري، فاطمة موادي وسواهنّ.
في ديوانها (لو)، تمثيلًا، تعيد فاطمة الميموني تخييل مفردات الطبيعة، وفي مقدمتها البحر الذي تناجيه وتبوح له بأسرارها فيحتوي كينونتها الساهية فيه بين مدّ وجزر. تقول:
«البَحْرُ
لِباسٌ لي
وللسُّؤالِ
رحيلٌ في الزَّبَدْ
نشيدٌ لِأَوْراق
العُمْرِ
تَطْفو كَلَحْنٍ
بعيدٍ
كَطِفْلٍ ساعةَ الرُّؤْيا
يخرجُ من بَرَدْ» (لو)
وتكتب سناء بلحور وهي تُكنّي عن رمل البحر بسنوات العمر:
«كَمْ مشَيْنا على عمر الرّمْل
نخطو على وجه الظلال
نُداعب حزننا بريشةٍ من
ألوانٍ مُضيئة
(…)
ها حُلْمي
أودعْتُهُ للبحر… يُدثِّرهُ
ويحمله نحو اللازورد.
هُناك المشتهى.
واللامنتهى» (ممشى السحاب)
هكذا، من أنا الكتابة ضدّ السلطة إلى كتابة الذاكرة إلى كتابة التأمكن وانتشارية الاستقصاءات الأربعة، لم تدخر أنا الأنثى جهداً إبداعيّاً لتوطين مُتخيّلاتٍ كتابيّة مشبعة أنوثةً في رؤيتها إلى العالم، عابرة لأكثر من بناء نصّي: غنائي ودرامي وهجين؛ ووعيٍ شعريٍّ: صوفي وجسداني وسيريالي. لكن، من خلال تحليلنا لهذه العيّنات، الدالّة والممثّلة، من الشعر النسائي المغربي، يمكن لنا أن نستنتج ما يلي:
أنّ أنا الأنثى تمركز ذاتها في الكتابة، وتجعل من جسدها، في تعدُّده واختلاف فسيفسائه، بؤرة تتوطّن فيها مشروعات الكتابة ومنها تتناسل، بصيغ وتعبيرات راشحة، في فضاء الكتابة؛
أنّ الذات كما تفصح عنها الكتابة في مجمل ملفوظاتها، هي ذاتٌ متألمة وحزينة، منكسرة متشظّية، محبطة ومتذمّرة من واقعها الذي تستبدل به واقعاً بديلاً يتعيّش على فائض الأحلام والاستيهامات والذكريات؛
أنّ جسد الأنثى في الكتابة ينشدُّ، في كثير من تفاصيله وتخييلاتها، إلى المرجع الصوفي- الإشراقي بهذا التأويل أو ذاك، وهو ما يجعل ذات الكتابة تنسج من مُتعالياتٍ تحدُّ من مادّية الدال اللغوي بقدرما تُزحلقه في سلسلةٍ لا تنتهي من الدوالّ؛
أنّه، نتيجة ذلك، يُؤبّد خطاب أنا الأنثى متوالياته وعناصره في شعريّة التجريد التي تتغذّى من ملفوظات الرؤية والكشف التي تستغرقها وتقيم فيها؛
أنّ شعريّة البوح والاعتراف لا تزال في درجةٍ أقلّ، وأنّه كُلّما وُجِد النص الشعري النسائي يتّجه نحو السرد الذاتي وأدب اليوميات والسيرة الذاتية، بدتْ لنا هذه الشِّعرية وطفحت بـ«المكبوت» و«المهمل» من أرشيف الأنثى ومقصورة شؤونها الخاصة.
وعدا الأسماء التي ذكرناها، تمثيليّاً، هناك عشرات الشاعرات بين شاعرة ملتزمة ربطت شعرها بتحرير معنى هويتّها العابرة للتاريخ كأنا فرديّ وجمعيّ في آن، كما عند زهرة زيراوي وسعاد الناصر، أو موهوبة تشقّ طريقها بصمت وأناة نهر كما حال سكينة حبيب الله ونسيمة الراوي وسناء عادل، أو مُتلفّعة بلباس فضفاض لم تعثر بعد على أسلوبها الخاص عند عدد غير قليلٍ منهنّ. لكن، من الآن فصاعداً، لن تكون أنا الأنثى وهشاشتها، بما هي قدرها الأنطولوجي، إلّا قوّة استبصارية تُعيد تنضيد سجلَّها السيرذاتي في الكتابة وعبرها.

كاتب مغربي

عبد اللطيف الوراري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية