«لن يكون للواشين أمل»، تقول الصلاة الثامنة عشر. لهذا القول القاسي هناك العديد من التفسيرات الدينية المشوقة، ولكننا نحن، ابناء المدرسة العلمانية في تل أبيب، فهمناها ببساطتها: الويل لمن يشي يرفاقه. وكتبناها باحرف سميكة وعلقناها على الحائط إلى جانب غرفة مدير المدرسة.
ولما كانت الغرفة قريبة من غرف المراحيض، فقد تذاكى احد التلاميذ وغير حرفا بحرف: «لن يكون للمبولين أمل». وكانت فضيحة صغيرة، واحدة من فضائح كثيرة. وبالنسبة للمدرسة، فقد اغلقت قبل سنوات. وتستخدم غرف المراحيض فيها اليوم لتكون مقهى فتح في اسفلها. وعندما احدد فيه لقاء، فاني أحرص على أن اطل اطلالة احترام على الحائط اياه. ليس بسبب المراحيض، بل بسبب الواشين.
في إسرائيل اليوم قد لا يكون أمل للواشين، ولكن يوجد لهم عمل بوفرة. جمعيات اليمين تتابع جمعيات اليسار، تنبش في سلات القمامة لديهم، تدس في صفوفهم من يتجسس عليهم، تنزع الكلام من حسابات الفيس بوك والتويتر. التمويل يأتي بشكل عام من الخارج، من جهات اجنبية، او عن طريق متسلسل من مالية الدولة. والهدف المعلن هو عرض نشطاء هذه الجمعيات كعملاء اجانب وعملهم كخيانة. وهذا مجرد الغلاف. اما الهدف الحقيقي فهو تصفية كل انتقاد في إسرائيل للوضع القائم في المناطق. كل من يُكبر رأسه، يقطع رأسه.
«ان شئتم» هي مجرد منظمة واحدة من المنظمات التي ترتزق من الوشاية على جمعيات اليسار ولعلها اكثر وقاحة. توجد اخرى، بينها ايضا من تتخذ سيماء محترمة، شبه اكاديمية، شبه صحافية. اما عمليا، فهم يسعون نحو الهدف ذاته بالضبط. كلهم ينبشون في القذارة ذاتها: الكل يشي بالكل.
في الاسبوع الماضي اتخذ رجال «ان شئتم» خطوة واحدة اخرى في مسيرة الصيد التي يخوضونها: فقد نشروا اسماء كتاب، مبدعين وفنانين برايهم وقعوا في خطيئة ابداء العطف لجمعيات حقوق الانسان. وقد سموهم «دسيسين»، أي خونة، عملاء اجانب. في القائمة ذكر افضل المبدعين في إسرائيل، ذخائر الثقافة الاهم لديها، الحاصلين على جائزة إسرائيل.
هذه المرة بالغوا. وقد نال نشرهم انتقادا شديدا في اليمين، ومدير عام «ان شئتم» اضطر لان يتراجع نصف خطوة إلى الوراء. في المرة القادمة سيكون اكثر حذرا. وليس هو وحده من فزع. بن ـ درور يميني هو الاخر، الذي يدير على صفحات هذه الصحيفة وفي اماكن اخرى حملة مؤثرة جدا ضد منظمات اليسار، أدرك بان هناك مشكلة. وكتب في «يديعوت احرونوت» يوم الجمعة الماضي: «انا ملزم بالندم على الخطيئة.
يحتمل أن اكون اخطأت». الخطأ الذي يبدي الاستعداد للاعتراف به هو أنه لم يفهم بان العار الذي يلصقه بالاخرين في مقالاته عن عاموس عوز، دافيد غروسمان وآخرين من شأنه أن يؤدي إلى الرقابة والى وقف التمويل من جانب الدولة.
لشدة الاسف، لا يزال لم يفهم. لقد هاجم يميني عوز بطريقة «ان شئتم»: الخطيئة الفظيعة لعوز هي أنه مسجل كعضو في المجلس الجماهيري في بتسيلم. وبزعم يميني، يضم المجلس الجماهيري عضوا عربيا يؤيد تصفية إسرائيل.
يسمى هذا التكنيك اليوم كشف العار، التصفية بشكل متسلسل. إذا جلس احد ما معك في الغرفة ذاتها وشاركك النقاش ذاته، وكان مشبوها ـ فانك انت ايضا مشبوه. بهذه الطريقة دمر السناتور جو مكارثي الديمقراطية الامريكية في الخمسينيات.
ومكارثي هو الاخر اعتقد بانه يطهر الدولة من الخونة، وانه يقاتل حرب وجودها في مواجهة اعدائها في العالم. وقد أعدى المجتمع الامريكي بجنون الاضطهاد. ومع أن مكارثي القي به من الساحة السياسية مكللا بالعار، إلا ان الجرثومة التي نشرها احدثت دمارا في المجتمع الامريكي على مدى سنوات جيل.
الدرس من قضية «ان شئتم» بسيط: نزع الشرعية عن الخصم السياسي هو شر مريض: الوشاية هي سم. احد ليس دسيسا، لا جمعية يسار تتلقى مالا من الاتحاد الاوروبي ولا جمعية يمين تتلقى مالا من الافنجليين او من مصادر مشكوك فيها اخرى. فالاعتماد على الاموال الاجنبية مثير للحفيظة، يضعف القوة الاخلاقية للمنظمات من اليمين ومن اليسار. وربما ايضا يفسدها هنا وهناك، ولكنه لا يجعل من يتلقوه خونة للامة. من الافضل وقف الحملات المكارثية قبل فوات الاوان: فأحد ما قد يأخذها على محمل الجد.
يديعوت 1/2/2016
ناحوم برنياع