لماذا نستغرب هذا التعاطف الدولي مع «شارلي ايبدو»؟ لا أحد بإمكانه أن ينكر، مهما بلغت حملات التعاطف، أن باريس أزعجتنا يوم الأحد الماضي حين فرضت نفسها على شاشاتنا الصغيرة، وتصدرت عناوين نشرات أخبار وسائل الإعلام العربية.
ذلك المشهد التاريخي الذي خرج فيه أكثر من 1.5 مليون متظاهر وقادة أكثر من 40 دولة في مسيرة غير مسبوقة، للتنديد بالهجوم الإرهابي على مقر مجلة «شارلي إيبدو»، تسابق فيه زعماؤنا على التسلل إلى الصف الأول. واصطف العرب والإسرائيليون جنبًا إلى جنب للتنديد بالإرهاب، متجاهلين عقوداً من إرهاب متعدد الأشكال يصنعونه هم ويمضون، لأن مدنهم ليست باريس. هي مدن تعودت على الموت وحفظت الكاميرات شوارعها واعتدنا نحن أخبارها حتى نفد تاريخ صلاحية خبرها العاجل، حتى أصبحت أخبارا عادية، يومية ومتوقعة.
أما باريس، فتلك مدينة أخرى، هي عاصمة العالم، كما قال الرئيس الفرنسي، فرانسوا أولاند في أكبر مظاهرة شعبية في تاريخ البلاد. هي فرنسا التي تحافظ على وجهها الحضاري مهما بلغ اجرامها. فطالما لا تشهد اراضيها، سفكاً للدماء، أو ظهورا منتظماً للكلاشنكوف أو مشاهد الذبح البربرية الوحشية، تبقى محافظة على وجهها العالمي، تمارس العنصرية بالإبداع الملون وتصدر العنف بصفقات الأسلحة والتسويات السياسية والاستراتيجية التي تغذي، في نهاية المطاف، هذه الأعمال الإجرامية التي تشهدها مدننا غير الحضارية. ولهذا فإن هذا الفساد الحضاري يلهمني، كما يقول مظفر النواب. فمشهد باريس الاستثنائي ألهمنا، فجّر فينا مشاعر الغيرة وازدواجية المعايير والحنق عند الغرب، ولكن، لماذا نكره شارلي؟ أو بمعنى أدق: لماذا كرهنا شارلي يوم الأحد ولم نكرهه، بالحدة نفسها، قبل سنوات طالما الأسباب نفسها (أي ما نشرته «شارلي ايبدو» من رسوم مسيئة للرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) كانت موجودة؟ كيف قفز شارلي هذا، الذي لم يكن الكثير منا يسمع به أو بالمجلة، فجأة، إلى تغريداتنا وصفحاتنا الشخصية وأصبح اسمه مرتبطا بمأساتنا المحلية؟ كان عليه فقط أن يخرج ليذكرنا بخيباتنا وبصمتنا تجاه ضحايانا، فألقينا نحن اللوم على باريس لأنها لم تصمت، ولأننا، أيضاً، نفضل أن نعيش دور الضحية، في مناسبات كهذه، نحيي فيها قناعاتنا بمفهوم «الآخر» من دون أن نفعل شيئا لنغيره. ما أن وقع الهجوم وانتشرت حملات التضامن مع «شارلي إيبدو» في الشوارع وعلى مواقع التواصل الاجتماعي حتى رحنا، نحن العربَ والمسلمين، نسأل أنفسنا: لماذا لا يتحرك العالم من أجلنا، كما فعل مع باريس؟ فكرهنا شارلي وتذكرنا أنه أساء للنبي محمد (صلى الله عليه وسلم) وذهبنا بمشاعرنا حد القول: أنا لست شارلي. أنا أحمد. أنا العراق.
أنا مخيم اليرموك. أنا غزة. أنا قانا. ومجدداً، طالما أن المقارنة هنا تتناول مشاهد الإجرام في مدننا، بغض النظر عن الرسومات، فلماذا علينا أن نكره شارلي؟ طالما باريس ليست أيا من مدننا المفجوعة، فمن البديهي أن شارلي ليس أحمد وليس العراق أو غزة أو اليمــــن أو سورية.
الفرق انه يصعب علينا أن نستوعب أن الدفاع عن الحريات ليس حكرا على الغرب. والفرق أيضاً هو اننا تعودنا، بينما باريس عرفت كيف تعودنا ولا تتعود. يؤلمنا التعاطف، يؤلمنا شارلي لأنه يذكرنا كم أصبح كل شيء عادياً.
٭ كاتبة لبنانية
ريما شري