قبل أسابيع أساء الى المسلمين إطلاق الرصاص في كوبنهاغن والعنف الذي اقترفه عمر الحسين (22 سنة ـ دانمركي) وذهب ضحيته قتيل وجرحى وسمعتنا كمسلمين وتمّ «تجيير» الجريمة للأسف لصالح نظرية «شارلي إيبدو» ضد الإسلام كدين.
هذا المنبر، الذي كان في الفترة الأخيرة قد بدأ يفقد شيئا فشيئا بريقه الإعلامي، استمد دفعاً جديداً لأكذوبة أن تأييد «شارلي» هو التأييد «للحرية» وذلك ليس صحيحا.. وكانت أصوات معتدلة غربية قد بدأت تضع الأمور في مسارها الحقيقي الفكري ولكنها بعدما حدث في كوبنهاغن قد تصمت أو تتراجع أو تدعم «الإسلاموفوبيا».
من القاتل الحقيقي ومن القتيل؟
ثمة رسالة نشرها ملحق جريدة «الفيغارو» الفرنسية قبل إعتداء كوبنهاغن، بتاريخ 30 كانون الثاني/ يناير 2015 جاء فيها بقلم ألفريد دوبين من بلدة سان جرمان أون ليه (ضاحية باريسية راقية) ما يلي: قرأت للمرة الأولى مجلة «شارلي إيبدو» عدد 17 كانون الثاني/ يناير ووجدت خطابها جارحا ـ مؤذيا وفيه بذاءة جنسية. أمن أجل ذلك نظمت الدولة الفرنسية أكبر تظاهرة في تاريخها منذ يوم التحرير (من النازية)؟ أمن أجل هذا مات فرنسيون على أرضنا؟ أمن أجل هذا الخطاب الجارح اللا مجدي تُدمّر بيوت العبادة (الجوامع) ويحرق العلم الفرنسي؟ هذا ما كتبه فرنسي محايد و «شهد شاهد من أهلها».
خطاب العقل ورصاص الجنون
هذا القول المباشر الخالي من الأقنعة لألفريد دوبين جاء ما يشبهه لمشاهير عالميين كالمخرج فرانسيس فورد كوبلا الذي صرح لجريدة «الفيغارو» في حوار معه بتاريخ 28 كانون الثاني/ يناير 2015: «الإسلام كان حضارة كبيرة بلغت الذروة في حقول العلم والفن والشاعرية. المسلمون اليوم هم الأكثر فقراً في العالم. وفي باريس بالذات في الضواحي حيث يعيشون، يتعرضون لسوء المعاملة».
وجوابا على سؤال المحررة ماري نويل ترانشان: هل يجب تقييد حرية التعبير التي تمت مهاجمتها (باغتيال محررين في شارلي إيبدو)..
أجاب بوضوح: بالتأكيد. إذ يجب احترام الآخرين ومعتقداتهم ووضع حدود للحرية في السخرية منهم.
تقول المحررة: ها أنت تتحدث (كقداسة) البابا فرنسوا..
يجيب: أحبه كثيراً فهو دافئ القلب. وفي الأحوال كلها كان على شارلي إيبدو (بدلاً من السخرية من النبي محمد) كان عليها طباعة القرآن ليطالعه العالم كله وليكتشفوا أن لا شر فيه.
يقول جيرامي والدرون معلقاً على أفعال «شارلي ايبدو»: «الكلمات أيضاً تستطيع أن تجرح وأن تقتل».
شارلي البذاءة الكاريكاتيرية والإسفاف
في مجلة «شارلي إيبدو» الذي حمل على غلافه إهانة جديدة لسيدنا محمد والصادر بعد (المذبحة) نفتقد فن الكاريكاتير الراقي الذي عرفت به فرنسا لدى العديد من مبدعيها في هذا الحقل. ولا نجد إلا البذاءة الجارحة لمؤمن أيا كان دينه والخائنة لفن الكاريكاتير الراقي أيضا، بل والتي تغتاله.
ففي كاريكاتير حول الراهبة التي طافت عالم الفقراء لخدمتهم «الأم تيريزا»، نجد رسما رديئاً لها والتعليق الكاريكاتيري جاء كلاماً مخزياً وضيعاً متهافتاً حول ممارستها «للعادة السرية» وأملها بأنها في الجنة ستقوم بـ (…..). واعذروني إذا لم اترجم ما تبقى من القول السوقي البذيء.. ويدهشني أن فرنسا التي دمجت حرية الفكر المقدسة عندها بحرية «شارلي» رضيت بهذا الخطاب الحقير الوضيع (البورنوغرافي) السوقي وهي وطن أناقة القول وجمالية اللفظ. ولا أستطيع أن أفهم سبب الإهانات الموجهة إلى الدين المسيحي أيضاً من قبل (شارلي) الذي صار يتصرف كولد تافه أفسده الدلال كأن السخرية من الدين المسيحي أسوة بالإسلامي تقصد منه اثبات (عدالتها) وتوزيع البذاءة على الدينين السماويين بالتساوي.
أين العدالة في ممارسة حرية الأذى بذريعة الحرية الفكرية، وفي جرح ملايين المؤمنين في كوكبنا وإهانة مشاعرهم والاستخفاف بمعتقداتهم، وعلى هذا النحو السوقي الرخيص؟.. والأمثلة لا تعود في العدد (الصادر بعد اغتيال محرريها) والذي أمعن فيه شارلي في اغتيال فن الكاريكاتير الفرنسي العريق الراقي الذي نرى نماذج له في بيت بلزاك/ المتحف، كما نجد أخرى تطال فكتور هوغو برقي لمّاح.
والبارحة (بشرتنا) شارلي إيبدو انها تطبع من عددها الجديد مليوني نسخة ونصف المليون، وبأنها تنتقد فيه قداسة البابا والجهاديين، فهل ستفوح رائحة المجارير من هذا العدد أيضاً؟
بوسع أي محايد كتابة أطروحة جامعية عن «شارلي» والكراهية العنصرية و «الإسلاموفوبيا» الغبية حين تتجسد في منبر كاره لكل من وجد يقينا مسلماً كان أم مسيحياً.
«الطفولة الإسلاموية» بعد «الطفولة الثورية»
لا بد من الاعتراف بأن إطلاق الرصاص ولغة العنف ربما أخافت الكثيرين أو أيقظتهم من نشوة الثمل بالحرية الفكرية وذكرتهم بوجود ملايين البشر الرافضين لجرحهم مطوياً حتى الصميم في معتقدهم.. وأنا أكره محاكمة النيات، بقدر ما أكره القتل والعنف.
وعلى أرض الواقع تم إلغاء عرض الكثير من الأعمال الجارحة للمسلمين.. واعتبر كارهو المسلمين ذلك خطأ في حق الفن.
ثم مثلاً العزوف عن عرض تجهيز فني بعنوان «صمت» للفنانة زليخة بو عبدالله وذلك في صالة عرض «بافيون فاندوم» الباريسية وهو يمثل 28 سجادة صلاة وعلى كل واحدة منها حذاء «حريمي» ذهبي اللون.
تمنى الكثيرون أن تعبر الفنانة عن وجهة نظرها على نحو آخر لأن سجادة الصلاة مقترنة في أذهان الملايين بلحظات مرهفة خشوعية في طفولتهم وشبابهم، فسجادة الصلاة عندي مثلاً تذكرني بجدتي وبطفولتي ورائحة الياسمين تفوح وعقرب أسود كبير في المزرعة يمشي نحوها وهي تصلي وتراه وتتابع صلاتها صامدة دون أن تتحرك. وأنا أراقبها وأتعلم درسا في الشجاعة والصمود والعقرب يمر قرب قدمها ويتابع دربه.
وتم أيضاً تأجيل عرض فيلم المخرج عبدالرحمن سمساكو من «مالي» فالفيلم متهم بإذكاء الشغب الديني والبعض وصف الفيلم بأنه تحفة فنية وتم ترشيحه لجائزة سيزار والأوسكار. ولكن رئيس بلدية بلدة (فيليه سور مارن) امتنع عن عرضه دفعا للمشاكل!! وثمة أمثلة أخرى كثيرة لا يتاح المجال لتعدادها.
من طرفي كنت أتمنى إطلاق الحرية لأي عمل يصب في مستنقع «الإسلاموفوبيا» ليتم الرد عليه باللغة ذاتها. وللأسف، نحن أكبر أعدائنا!
غادة السمان