في كثير من الأحيان يصاب المثقّف في الوطن العربي بحالات إرهاق واستنزاف لطاقته بسبب مشكلات هامشية لا يمكن أن تكون ذات صدى في الأوساط الثقافية التي تحترم ذاتها، لأنّها بكل بساطة لا تمثل الفعل الثّقيل الذي يفجّر مسوّغات الحالة الثقافية بكل زخمها وصراعاتها المنتجة ومناخها المفعم بالتنافسية الدافعة، ومع كل فرقعة إعلامية «ثقافية»، تنكشف علل الوضع الثقافي العربي، وخطورة أسقامه ومزالقه التي لا يمكن أن تكون دافعة إلى أوج الحراك الثقافي، الذي يتمثل في الحرية الإنسانية المنتشرة والمنتشية على ضفاف النص الجليل المدجّج بالمحبّة.
ولعل السّاحة الثقافية الجزائرية تقدّم كمثيلاتها العربية هذا العَرَض للدّاء الثقافي العضال، فهي تعيش اليوم ما يشبه حالة انتعاش من خلال برنامج «شاعر الجزائر»، وعلى علاّت هذه الحالة التي أصبحت أُسّاسا عربيا «بشاعر المليون»، إلا أنّه يمكن لصداها أن يؤثر في الذات الراكدة التي سكنت إلى خمودها ولافعاليتها، فأحيانا شيء من الغيرة/الحسرة الثقافية واجب لتحريك نهر الثقافة الرّاكد، وفي خلال هذا الفرح الثقافي، تبادر بعض الأوساط إلى استضافة الشاعر المصري «الجخ»، ولكثرة أزمات العقل والواقع العربيين، أصبحنا أمة لا تكاد تهرب من السؤال الأبدي «لماذا في هذا الوقت بالذات؟
في ظرف ثقافي ونشاط مماثل كالذي تعيشه الساحة الوطنية (شاعر الجزائر)، وعلى علاّته، أكرّر وأعيد، كان من المفروض أن تتبعه جولة وطنية لكل الشّعراء المشاركين أو على الأقل لبعضهم، بعد تصفيات أولى، يجوبون أرجاء الوطن في إطار حملة ثقافية تعيد للألق الشّعري رونقه وحياته، ومن ذلك يمكن أن يكون هناك نشاط نقدي مواز للمنصّة النقدية الارتجالية التي يمكن أن يفوتها الكثير من الملاحظات، لأنّ المتابعة النقدية للنص لا يمكن أن تكون من خلال نص واحد، كما أنها لا يمكن أن تكون لحظية، إضافة إلى هذا يمكن لهذه الجولة الشّعرية أن تعيد اللحمة ما بين الجمهور والشّعر، والعنصر الثالث هو تحريك عجلة السياحة الداخلية، وكل هذا يتم من دون ميزانية تذكر.
إنّ هذا الذي جئتُ على ذكره ليس نكاية في شاعر اسمه «الجخ»، وإن كانت لنا ملاحظات على هذا الشاعر، لكن أن نمنعه أو نمنحه فرصة للتجوال الشعري، فهذا لا يعود فقط إلى أن هناك من هو أفضل منه ولم تمنح له هذه الفرصة، ولكن لأنّ الساحة الثقافية العربية درجت على نوع من الخلق للزّعاماتية الشّعرية الفريدة والمتفرّدة، والتي لا تنبع ولا تتفجّر من حركة شعرية أو ثقافية مناضلة، تمتح من الحوار الفكري الجاد الذي يأخذ بالسّبب الواقعي في التعاطي مع الأنوار العقلية المجيدة، أي مع عطر القراءة والانفتاح على السؤال الوجودي المركزي، سؤال الكينونة العارفة، الذي ليس بالضرورة هو الأكاديمي، بل مسوّغاته تكمن في المجتمعي والمستوى الحالم في مدار النّضال، اليومي هو دفة النّضال المرير والمستمر ضد هشاشة الخضوع للفعل المجتمعي القاهر والمدير لحركة التهميش والإقصاء.
إنّ «الجخ» كظاهرة تسير في طريق الهشاشة المجتمعية النضالية، التي لا يمكن أن تفرز حراكا فعليا يتميّز بالثقافية، لأنّ «الجخية» ظاهرة «إعلامية» وليست «شعرية»، أقصد الحالة، فهي لا تمنح الشّعر بعده الرّصين والهادئ الذي ينضج على نار هادئة، لأنّ هذا ليس مسار فؤاد حداد أو صلاح جاهين أو أحمد فؤاد نجم أو «الخال» الأبنودي، هؤلاء كانوا حالة ثقافية عربية أفرزت معالمها الذات والغبن الاجتماعي والسياسي العربيين، فكانت التقدمية العربية تنهل من النّبض الشعري في كل مستوياتها، لأنّه كان مجترحا من آلامها وآمالها.
إنّ ثورة فصيل من مثقّفي الجزائر ضد هذه «الجخية الإعلامية» يمثل الحالة الأنقى لانتفاضة العقل المسالم والحالم بأن تكون شمس المدن والقرى والبراري التي يعرفها، متنفّسا لشحنته الشّعرية الأولى، طبعا ليس ضيقا بالنّفس الشّعري العربي، ولكن رغبة في التأسيس العقلاني للفعل الشّعري خارج فقاعات الهرج الإعلامي، فالشّعر روضة مقدّسة تمتلك من النّفح الخيالي ما يجعل الدنيا بستانا من العطر لا ينضب أريجه، فــ»بدون مساعدة الشّعراء، ماذا يمكن لفيلسوف محمّل بالسنين فعله وهو يصرّ على التكلم عن الخيال»، هكذا تكلم غاستون باشلار الفيلسوف صديق الشّعراء في «شاعرية حلم اليقظة».
إن هذه الأزمات التي تخلقها «الجخية الإعلامية»، لا تستهدف الحراك الشّعري بل كل غرضها هو المظهر الإعلامي، لأنّ الثقافة بمفهومها النّضالي والمستمر فاقدة الحركة في خضم التّسطيح الشامل للموقف الثقافي، فما يحكم الذائقة الثقافية مثلا عندنا ليس نموذج «المقهى الأدبي»، بل ما يحكم هذه الذائقة هو العناد الدّاعم لخلق الزّعيم الثقافي، لهذا يحضر حضرته نافشا ريشه ويُستقبل في المطارات ويضرب لقدومه الدف وتنثر الورود على حواف السجاد الأحمر المبسوط له وحده.
إنّ الفعل الثّقافي القائم على فكرة «المقهى الأدبي»، يأخذ جماليته من فنجان القهوة الذي يجمع إلى عطر بُنِّه من يرنو إلى ترميم فجوات نشوته في الحياة وفي الجمال، وفي هذا تكمن الأسرار الجمالية في مصطلح «الصناعة الثقافية» الذي استعمل أوّل مرة في كتاب الفيلسوفين الألمانيين هوركايمر وأدورنو المعنون «جدلية التنوير» عام 1947.
تقوم فكرة المقهى الأدبي على القراءة وعلى الاستماع والسّماع، وعلى السّؤال المحيّر في درب الفهم، وعلى قيام موازين التّفاهم بين المتعاطين للكؤوس القهوية، وعلى نبذ التّفاهة، وهذه الشّرذمة التي تتعاطى الأدب والثقافة على قارعة منتدياتها الهامشية والمعزولة، شيئا فشيئا تشهد ميلاد صداها في المجتمع، لأنّ الفنجان ديدن حاملي نشوة الجمال، والسّماع رديف الصوفي العابر للحظة الصّمت الكونية، والسّؤال نصير الحس النّضالي لدى المواطن الباحث عن رصيف في المجتمع يستند إلى ظله، ولهذا فحالة «الجولة الجخية» ليست سوى عرض لحالة مرضية نعجز في بعض الأحيان على تتبع آثارها في جسدنا الثقافي الموبوء، لأنّ الشّعر أكبر من أن تحتضنه جولة أو تحيطه هالة، إنّه نفس حالم تمتثل له الفلسفة التي يعلّمها من الخيال الذي يختزنه، فلقد كان باشلار الفيلسوف يستضيء بشعرية لوي غيوم.
كاتب جزائري
عبد الحفيظ بن جلولي