شالة المغربية: مختصر الحضارات الأمازيغية والرومانية والإسلامية

حجم الخط
2

الرباط – «القدس العربي»: على بعد نحو كيلومترين جنوب شرق مركز العاصمة المغربية الرباط وبعيدا جدا عن صخبها وحركة التنقل منها وإليها، وعلى بعد قرون من الزمن، تقع مدينة شالة الأثرية بأطلالها الرومانية وآثارها الإسلامية ومناظرها الخلابة. آثار ترجع بالزائر إلى القرن السادس قبل الميلاد، فالموقع ضارب جذوره الحضارية عميقا في هذه الأرض.
تذكر كتب التاريخ القديم شالة على انها مدينة صغيرة تقع على نهر يحمل اسم «سلا كولونيا» (Sala Colonia)، والذي يسمى حاليا بنهر أبي رقراق. واختار الفينيقيون الموضع الذي تشغله شالة كأول نبع ماء قابلوه قرب المصب، فكانت المنطقة بمثابة المركز التجاري للفينيقيين في المغرب الأقصى. وفي القرن الرابع قبل الميلاد أقام الرومان في الموقع الحالي لشالة، أو مستوطنة سلا، في مكان كان حينها محتلا من طرف الفينيقيين وهي مدينة سلا حاليا. والتي ستصبح بعدها مرفأ مزدهرا إلى نهاية الإمبراطورية الرومانية.

موقع استراتيجي

وقد وجد الفينيقيون المنطقة قبل نحو 3 آلاف سنة مأهولة بسكان من عنصر «الجيتول الأمازيغي» الذين كانوا منتشرين في جل ربوع شمال إفريقيا، وهم سكان «جزولة» باللسان العربي. وذكر الرحالة الإدريسي (1099- 1160) أن جزولة في القرن 12 ميلادي كانت تشغل منطقة تمتد من مراكش إلى سلا، حيث كان دورها هاما جدا في الحياة السياسية المغربية إلى عهد العلويين في القرن 17.
شالة من أهم المدن التي ارتبط بها موقع سيسمى تاريخيا فيما بعد برباط الفتح، والتي كانت حتى ظهور دولة المرابطين مجرد فضاء متسع شمالي مدينة شالة ترتبط بها إداريا وتاريخيا. وبلغت شالة أوج عظمتها أوائل القرن الثالث الميلادي، إذ كانت المرسى الوحيد للمراكب الرومانية التي تمدهم بالمحاصيل الزراعية. وتجلب أصنافا عدة من المصنوعات الرومانية إليها. وقبل ظهور الإسلام في المغرب كانت قبيلة مصمودة الأمازيغية تشكل أكبر قوة بشرية في المنطقة وفي سواحل الأطلسي. وقد كان الرومان يسعون إلى السيطرة التامة على ضفتي نهر أبي رقراق، لذا فقد عملوا على اقتلاع عنصر الجيتول ذي النزعة المقاومة من المنطقة.

كل ازدهار

حضاري يعقبه تهميش

في العهد الإسلامي، أصبحت تسمية «سلا» مقتصرة على المدينة الحديثة الواقعة على الضفة اليمنى للوادي، أما الموقع الأثري فسمي «شالة». وقد ازدهرت شالة بداية خلال عهدي الملكين الأمازيغيين يوبا الأول ويوبا الثاني، فابنه بطليموس الموريتاني، حيث جهزت بعدة بنايات عمومية جسدت التأثير الهليني والروماني على العمارة في عهد الممالك الأمازيغية، كما سكت نقودا تحمل اسمها. وبعد اغتيال بطليموس سنة 40 ميلادية، شهدت المدينة تحولا جديدا تحت الحكم الروماني تميز بتغيير في مكوناتها الحضرية، فتم إنشاء الساحة العمومية والحمامات والمعبد الرئيسي. وحصنت شالة بسور امتد من الساحل الأطلسي إلى حدود وادي عكراش. وفي سنة 144 أحيطت المدينة بسور دفاعي، لتظل تحت الاحتلال الروماني حتى أواخر القرن الرابع وبداية القرن الخامس الميلادي. وبعض حدود المدينة القديمة غير معروف اليوم، إذ لم يتم اكتشاف سوى الحي العمومي إضافة إلى جانبي طريق رئيسي يسمى « ديكومانوس ماكسموس». وهو مرصف ينتهي في جهته الشرقية بساحة عمومية على شاكلة المنتدى الروماني (Forum Romanum). وفي الساحة معبد مكون من 5 مقصورات تبرز أيضا التأثير المعماري الموري الأمازيغي في العمارة الرومانية. إضافة إلى «حوض الحوريات» ومخازن عمومية وحمامات. وشمالا تظهر بقايا المعبد الرسمي وهو بناية ضخمة بني جزء منها فوق صف من الدكاكين المقببة، ويضم فضاء شالة أيضا كلا من قوس النصر وبضع أجزاء من الواجهة الرئيسية لدار العدالة.
في الفترة ما بين القرن الخامس والقرن العاشر الميلادي تعرضت شالة، ومن معانيها في اللغة الأمازيغية: الحاضرة، إلى بعض التهميش. حيث اتخذت كموقع يرابط فيه الفرسان لمواجهة قبيلة برغواطة التي أسست دولة لها في منطقة تامسنا (تعني بالأمازيغية: السهل الخالي، وهي منطقة تاريخية امتدت بين وادي أبي رقراق ووادي أم الربيع – منطقة الشاوية سطات وزعير حاليا) على الساحل الأطلسي بين آسفي وسلا. وبعدما أسس يعقوب المنصور الموحدي مدينة الرباط، همشت شالة مجددا إلى أن جاءها المرينيون ليعيدوا إليها ألقها ودورها الحضاري. فبنوا فيها مدرسة ومسجدا بمئذنة بديعة المعمار، وهي مئذنة أبي الحسن المريني، ومقبرة للملوك والشرفاء. ويعتبر قبر أبي الحسن من أجمل مآثر شالة. كما أن فيها خلوة كان يعتزل فيها كثير من شعراء ذلك الزمن. وقد اختار السلطان المريني الأول أبو يوسف يعقوب أن يبني على مقربة من بقايا مدينة سلا الرومانية مسجدا من طابقين زوده بمساكن لطلاب العلم، كما كان مقاما لعابري السبيل. ثم دفن فيه مع زوجته شمس الضحى، التي كانت مسيحية واعتنقت الإسلام، وأربعة من خلفائه. وحظيت شالة على عهد السلطان أبي الحسن باهتمام بالغ. أما ابنه السلطان أبو عنان المريني فقد أهتم ببناء مدرسة شمال المسجد، إضافة إلى حمام ودار للنزالة. وزين أضرحة أسلافه بقبب مزخرفة تعتبر نموذجا حيا للفن المعماري المتميز لدولة بني مرين.
تعرضت شالة مجددا للتهميش بعد قرار المرينيين إعادة فتح مقبرة القلة بفاس. فأهملت بناياتها، وتعرضت بداية القرن 15 للنهب والتدمير. لتمسي بتاريخها الحضاري مقبرة ومحجا على هامش مدينة رباط الفتح لسكان المنطقة، ثم معلما تاريخيا متميزا في العصر الحديث. شالة اليوم مزار أثري طبيعي بمناظر خلابة، لا سيما في فصل الربيع. كما تعرضت سنة 1755 لزلزال قوي دمر كثيرا من معالمها وبقيت على حالها لعدة عقود. ولشالة سحر خاص جعلها تعد ضمن الآثار الأكثر رومانسية في العالم، وقد عدها المغرب منذ العقود الأولى من القرن 20 من المباني التاريخية والمواقع والمناطق المرتبة في عداد الآثار في ولاية الرباط. وخص منها كلا من البقايا الأثرية لموقع شالة (ظهير بتاريخ 19 تشرين الثاني/نوفمبر 1920 – ج. ر، رقم 423 في 23 تشرين الثاني/نوفمبر 1920)، وسور موقع شالة الذي بني في القرن 14 (1339) وهو سور خماسي الأضلاع مدعم بعشرين برجا مربعا وثلاث بوابات أكبرها وأجملها زخرفة وعمارة البوابة الرئيسية للموقع المقابل للسور الموحدي لرباط الفتح (قرار وزيري بتاريخ 5 آب/أغسطس 1932 – ج. ر، رقم 1035 في 26 آب/أغسطس 1932).

سرقة آثار

تعني كلمة شالة أيضا في اللغة الأمازيغية الوفرة والكثرة، فقد بنيت في مكان يتوفر فيه كل ما هو ضروري للاستقرار. وفي عهد الفينيقيين صار اسمها «شالا» ثم أصبحت «سلا» في عهد الرومان. وهذا الاسم انتقل إلى مدينة سلا الحالية التي كانت تمثل ضاحية لشالة.
ويدق باحثون في الثقافة والتراث منذ سنوات ناقوس الخطر الذي يتهدد هذا الموقع الأثري، حيث يعتبر بعضهم الإهمال الذي تعاني منه شالة شاهدا على السياسة العامة لوزارة الثقافة التي لا تولي اهتمامها بهذا المعلم التاريخي بعد السرقات المتكررة التي تعرضت لها. مطالبين بمراجعة السياسة الثقافية للمغرب برمتها، بعد السرقات التي تعرض لها قبر أبي الحسن المريني، حيث مثل الحادث كارثة ثقافية وتاريخية وحضارية للمغرب.
وتتعرض آثار موقع شالة للإهمال والسرقات بحكم موقعها القصي والمنفرد، وكانت وزارة الثقافة قد راسلت إدارة الجمارك المغربية تطالبها بإحداث دورية لمراقبة تصدير القطع الفنية والتحف الأثرية أواخر سنة 2009. وطلبت الوزارة من مصالح الجمارك مراقبة المنقولات، بما فيها الوثائق والأرشيف والمخطوطات ذات الطبيعة الأثرية والتاريخية والعلمية والفنية الجمالية أو الأصيلة. والتي تكتسي أهمية وطنية أو عالمية. سواء كانت هذه الأشياء معزولة أو على شكل مجموعة، وتزود وزارة الثقافة إدارة الجمارك سنويا بلائحة المنقولات المسجلة أوليا لحمايتها أو تلك المصنفة والمحمية بصفة نهائية. كما تطلعها في حالة إضافة أسماء جديدة بعد تسجيلها أو تصنيفها من لدن الوزارة. ويقضي طلب وزارة الثقافة بحظر تصدير أي مواد منقولة أو مصدرها مبان مسجلة أو مصنفة، ما عدا حالات خاصة تمنح فيها تراخيص تصدير مؤقتة من قبل السلطات المختصة إبان المعارض بغرض الترميم أو بهدف إجراء دراسات عليها في الخارج. ويشمل حظر التصدير الكلي أو الجزئي خارج الأراضي المغربية كل المواد المتحصل عليها نتيجة هدم مبان مصنفة أو مسجلة، ويترتب على عمليات التصدير غير المشروعة للقطع الفنية والتحف الأثرية عقوبات حبسية وغرامات مالية. وقد تصل العقوبة الحبسية حد السجن 3 سنوات، بينما تتراوح الغرامة ما بين 20 ألف درهم إلى 200 ألف درهم (الدولار يساوي حوالي 8.5 دراهم) وقد يجمع بين العقوبتين أو يكتفى بإحداها فقط. وأكدت الجمارك في بيان سابق أن «مصالحها ستواصل فرض الحصول على إذن مسبق لعمليات تصدير القطع الفنية أو الأثرية التي يشكل الحفاظ عليها أهمية خاصة لفن وثقافة وتاريخ المغرب».
ويرى باحثون مغاربة في علم الآثار أن الإجراء الذي اتخذته الجمارك يبقى إجراء أوليا وغير كاف في ظل النقص الحاد في عدد موظفي وزارة الثقافة، والغياب شبه الكلي لأي حماية أمنية للمواقع التاريخية المصنفة أو غير المصنفة كإرث تاريخي وطني. ويشير الباحثون إلى أن المغرب لا يمتلك جردا بالآثار المسروقة سنويا لأنها غير معروفة لدى وزارة الثقافة، وأن المغرب يضم نحو 15 ألف موقع أثري بين آثار معروفة وصغيرة ومواقع ما قبل الميلاد وما بعده وأخرى إسلامية. إضافة إلى أضرحة وحصون عسكرية ومدن عتيقة مطمورة تحت التراب لا يعرفها سوى الباحثون المتخصصون في علم الآثار.
شالة مدينة مدرجة ضمن لائحة المواقع الأثرية العالمية لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة- اليونيسكو- منذ سنة 2012. ويحتضن موقعها الأثري منذ سنة 2005 مهرجانا سنويا لموسيقى الجاز الأوروبي.

مصعب السوسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية