تونس – سندس سعدي : عرف الشباب التونسي فترة من التهميش السياسي قبل الثورة. كانت أهم مطالبه بعد الرابع عشر من تشرين الأول/ اكتوبر في العام 2011 ايصال صوته لأصحاب القرار والمشاركة في الحياة السياسية. ويبدو أن الأحزاب التونسية أخذت هذه النقطة بعين الإعتبار. أشركت في صلبها شباباً كان من المفترض أن يكون وسيلة تواصل بين الشاب «العادي» وأصحاب القرار، لكن الشاب التونسي اليوم لا يرى أن بإمكان «شباب الأحزاب» تمثيله.
مصالح شخصية
خلال رحلة البحث عن إجابة لسؤال «هل يمثل شباب الأحزاب الشاب التونسي؟»، كانت كل الإجابات تصب في خانة النفي. إذ يرى الشاب التونسي أن هناك هوة كبيرة بين الشاب العادي والشاب «الحزبي»، وصلت حد إتهامهم بـ «العمل لأجل المصالح الشخصية» و«القبول بدور صوري جانبي»، لا يرقى إلى ما طالبوا به أثناء الإحتجاجات والثورة.
ترى منى، طالبة في كلية الحقوق أن «شباب الأحزاب» لا يمكنهم تمثيل تطلعاتها، لأنهم «يبحثون عن المصالح الشخصية كما انهم مجرد ديكور، يستخدم ولا يؤثر في قرارات القيادات العليا»، وفق قولها. فالأحزاب التونسية، بالنسبة اليها، «لا تولي إهتماماً بتأطير الشباب للعمل في المجال السياسي، وهذا أكبر دليل على أن الشباب ليس إلا وسيلة».
وتبنى هادي، طالب في معهد الصحافة وعلوم الأخبار، هو الآخر اتهام الأحزاب بـ «استغلال الشباب المنضوي» تحت ولائها، وإعتبرهم «مجندين» لخدمة الشخصيات النافذة داخل المكونات الحزبية، «وحتى من يتقلدون مناصب حزبية هم فقط واجهة تستخدم لتحسين صورة الحزب، لكنهم لا يمتلكون القدرة على النقد أو إتخاذ القرارات»، وفق ما يقول.
العزوف عن السياسة
وفيما تتالى الإتهامات حول تغييب الدور الشبابي في الأحزاب وتهميشهم، تؤكد القيادات على أهمية مشاركة الشباب في الحياة السياسية وتأطيرهم وإعتبارهم قيادات الغد.
اعتبر د.عبد اللطيف الحناشي، محلل سياسي تونسي، أن «عزوف الشباب عن العمل السياسي أهم مشكلة تعترض تمثيل مطالب الشباب لدى الأحزاب مما دفع بهم إلى العمل المدني». ويرجع الحناشي هذا العزوف إلى عدّة أسباب أهمها عدم إهتمام الأحزاب بالشباب، الأمر الذي يدفعهم إلى الإبتعاد عن الحياة السياسية في ظل عدم الثقة في المكونات الحزبية.
كما أضاف الحناشي أن المجموعات الموجودة الآن في الأحزاب، لا تمثل الفئات الواسعة للشباب، فالشاب «المتحزب» مهمش نظراً للمكونات العمرية صلب الأحزاب والتي تفوق الـ 50 سنة الأمر الذي لا يعطي فرصة للشباب للعمل والتأثير صلب القيادة. وهو يرى أن «حضور الشباب يقتصر على الإحتفاليات والإجتماعات العامة والحملات الإنتخابية».
وكشفت الإنتخابات التشريعية والرئاسية في العام 2014 عن عزوف الشباب عن الحياة السياسية، حيث بلغت 8% فقط. هذا العزوف عن الحياة السياسية قابله تطور ملحوظ في الحياة المدنية، حيث أخذت عدة منظمات كمنظمتي «مراقبون» و»عتيد»، على عاتقهم مهمة مراقبة الإنتخابات وبلغ عدد المنتمين إليهما حوالي 8000 مراقب، كما سجل المجتمع المدني حضوره في مراقبة أشغال المجلس التأسيسي كجمعيتي «أنا يقظ» و»بوصلة».
تمويل مستقل
ويعود هذا اللجوء إلى المجتمع المدني، إلى أن جل الجمعيات مكونة من الشباب. تحمل في طياتها مبادئ الديموقراطية والتشاور مما سهل على الشاب إيجاد ضالته بينها. مكنه ذلك من أن يصبح عنصراً فاعلاً على عكس شباب الأحزاب. ينضاف إلى هذا حصول المنظمات والجمعيات على تمويل يساهم في تحقيق مشاريعهم وبرامجهم مآربها، ليحققوا إستقلالية يفتقر إليها المنضوون تحت لواء الأحزاب.
فالفكر السائد في تونس يعطي الأحقية للأكبر سناً في تسيير الأمور ويتهم الشباب بقلة الخبرة، وهذه النظرة تنطبق هي الأخرى على الأحزاب التي لا ترى مانعا في تهميش الشباب وإعتبارهم عنصراً غير مرغوب فيه أثناء لعبة إتخاذ القرار. الأمر الذي يعد مغيباً في هياكل المجتمع المدني التي أنبنت على أيادي الشباب الذي آمن بدوره الفعلي في تقدم البلاد.
مشاركة الشباب في الحياة السياسية لا تتعدى الخمسة في المائة، على الرغم من أن الدستور التونسي ينص، وفق الفصل الثامن، على أن «الشباب هو قوة فاعلة في بناء الوطن»، وتعود هذه النسبة المنخفضة جدا إلى إنعدام الثقة بين الشاب التونسي والأحزاب السياسية التي يكرس جلها قاعدة التهميش الممنهج للشباب.