ديار بكر – سليمان حنيف: أمام معمل للملابس في مدينة اسطنبول التركية، يستمتع مامد وصديقاه تورغل ومظلوم باستراحة الغداء. شباب أكراد يتحدثون باللغة التركية فيما بينهم. يحاولون التغطية على بعض الكلمات الكردية التي تخرج سهواً من افواههم، لعدم اتقانهم اللغة التركية جيداً.
يتحاشى تورغل ومامد التحدث باللغة الكردية مع مظلوم، هامسين «لا تتحدث بهذه اللغة، لكي لا يعتقدوا أننا إرهابيون». مظلوم ينهرهما: «هذه ليست لغة إرهابيين. هذه لغتنا نحن». يستمر جدالهم هكذا يومياً . يوضح مظلوم أسباب عدم تحدث أصدقائه باللغة الكردية، قائلاً، «منذ أن اختصر حزب العمال الكردستاني كرمز للكرد ومقاومتهم في تركيا، بات الأتراك يطلقون صفة الإرهابي على كل من يتحدث بلغته ويحاول إبراز قوميته الكردية»، ويردف مظلوم: «الكثير من الشباب الكرد البسطاء الذين يكون تخالطهم اليومي مع الأتراك، يحاولون تهميش لغتهم وقوميتهم في محاولة للعيش الكريم».
حزب العمال الكردستاني الذي تأسس في تركيا عام 1978 بقيادة عبد الله أوجلان، بدأ كحركة سرية ماركسية. تدربت مع المقاومين الفلسطينيين واللبنانيين، وبعدها عادت مع سلاحها إلى جبال المناطق الكردية في تركيا لتعلن الحرب على الدولة التركية. النضال من أجل استعادة حقوق الكرد وإنشاء دولة كردية في جنوب شرق البلاد. الحزب مصنف على قائمة الإرهاب من قبل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية والعديد من الدول الأخرى.
وهنالك منظور آخر للحزب حيث أن «الحكومة التركية كانت ولازالت ذكية. اختلقت إرهابا بين المكون الكردي في البلاد، لتستطيع ضرب المناطق الكردية وضرب الشخصية الكردية والقومية الكردية وإخافة الشباب من البحث عن قوميتهم، باختصارها في رمز للإرهاب»، هكذا يقول «يلماز .ي» أحد كوادر الحزب القدامى، والذي مضى على اعتزاله القتال خمس سنوات. يجيب عن سؤال أسباب استقالته من الحزب، في مقابلة مع «القدس العربي»، انه «لم نكن نحارب من أجل شعبنا، كنا نحارب من أجل أن تقوم الحكومة التركية بضرب شعبنا، ناضلنا أكثر من ثلاثين سنة، حرقت خلالها ما يقارب ألفا قرية وقتل الكثير من الشباب ولم نخضع مدينة واحدة تحت سيطرتنا، كنا نعود كل مرة إلى جبالنا ومخابئنا بعد التضحية بجنودنا.
« في حي «طلا باشي» ذي الغالبية الكردية، والقريب من أشهر منطقتين سياحيتين في اسطنبول ألا وهما «ساحة تقسيم» و شارع الاستقلال، نحاول أن نصل إلى بيت الشاب الكردي التركي مراد دوفارجي بصعوبة. نتلفت حولنا مسرعين، خوفا من أن توقفنا إحدى سيارات الشرطة، أو بعض أفراد العصابات، بعد أن نصل. يحاول دوفارجي أن يشرح لنا أسباب سكنه في هذه المنطقة الخطيرة نسبياً. يقول «هنا يكون رحال جميع الشباب الكرد، قادمين حالمين بالاختلاط والضياع بين عواصف اسطنبول وهذه المنطقة يسمعون قصصها كثيرا من أصدقائهم الذين سبقوهم»، ويكمل مراد في هذا السياق: «خرجت من باطمان بسبب الأوضاع المعيشية، وقلة العمل، والأهم من ذلك لم أكن أريد ان أدخل في لعبة القط والفأر». يقدم مراد لنا الشاي ويسترسل موضحاً، «لقد كانت وما زالت الدولة التركية متسامحة مع هذه المنطقة من حيث الرقابة. منذ قدومي إلى هنا منذ سبع سنوات وإلى الآن أتاجر بالحشيش لصالح عصابة ولم أجد الكثير من العوائق، بالاختصار إما أحمل السلاح، أو أتاجر بالحشيش».
وحتى بعدما افتتحت الدولة التركية قسماً للأدب الكردي في جامعة ماردين، واعترفت ببعض الحقوق للشعب الكردي ورفعت الحظر عن اللغة والمطبوعات الكردية، إلا أنه مازال هنالك الكثير من الأعمال التشويهية التي تقوم بها الحكومة بشكل غير مباشر تجاه القومية الكردية. حيث تنتشر وبكثرة تجارة المخدرات بشتى أنواعها في المناطق التركية وبخاصة «ديار بكر» حيث قاربت أن تكون تجارة علنية، والعصابات والمافيا تتشكل من أغلبية كردية، ومن ناحية الإرهاب تعود المخاوف الكردية الشبابية إلى الساحة بعد الانفجارات الإرهابية التي طالت اسطنبول وأنقرة وكانت بتوقيع حزب العمال الكردستاني الدمار الذي لحق بعدة مدن مثل شرناق ونصيبين نتيجة الصراع القائم بين الجيش التركي وفصائل من الحزب. هذا الصراع الذي «قام من أجل إيجاد ذريعة للقضاء على حزب الشعوب الديمقراطي وطرده من البرلمان التركي»، وفق رأي محمد أوسال، أحد كوادر الحزب، الذي تأسس في عام 2012. ويدافع بشكل رئيسي عن القضية الكردية، ويحاول جاهدا تغيير الصورة المأخوذة عن القومية الكردية، ولقد زادت شعبيته في آخر سنتين، وأحدث تغييرا في المجتمع الكردي والتركي بشكل عام، ولكن «مع ازدياد عدد الكراسي الحاصل عليها في البرلمان التركي، بدأت أصابع الاتهام تتجه إليه بأنه على علاقة مع حزب العمال الكردستاني، وهكذا تمت محاربته، وحاولوا إسقاط صورته في أعين الجماهير»، هكذا يختم أوسال حديثه، وفي كلية الأدب الكردي التي ذكرناها سابقا، هنالك رقابة على الطلاب من حيث البحث السياسي والقومي» كل شيء داخل السياق، وإن حيدت عنه تصبح إرهابياً» يقول سعيد، أحد طلاب الكلية.