بغداد – جلجامش نبيل: منذ أكثر من عقدٍ من الزمن والشعب الكلدو- آشوري في العراق يعايش الكثير من الأحداث المأساوية التي تلقاها بصبر ضربة تلو الأخرى، بدءاً من تفجيرات ثماني كنائس في بغداد في العام 2004، ومروراً بمجزرة كنيسة «سيدة النجاة» في العام 2010، ووصولاً إلى التهجير «المتوحش» ومصادرة الأملاك في الموصل وسهل نينوى في آب / أغسطس من العام 2014، وخسارة مدينة كلخو (النمرود) التي بنيت في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، وخسارة أديرة من القرون الميلادية الأولى على يد عصابات تنظيم «داعش» في العام 2015.
مرّ العامان الأخيران بثقلٍ شديد على من بقي من الشباب المسيحيين، خصوصاً، الذين فقد كثيرون منهم منازلهم الأولى، وذكرياتهم فيها، وقرى أجدادهم وكنائسها، وفقد البعض منهم ثقته بجيرانه بعد كل ما جرى، ولكنهم يحاولون إثبات قدرتهم على البقاء في العراق.
العدد يتناقص
وعلى الرغم من محاولة اثبات «العيش المشترك» في اعياد الميلاد، الا أن هذه الصورة تخفي وراءها نزيفاً من الهجرة. ويتناقص عدد الشعب الكلدو – آشوري السرياني يوماً بعد يوم، حيث تراجع من مليون ونصف المليون مواطن قبل العام 2003 إلى ما يقارب نصف مليون مواطن فقط، اليوم، ويبدو أن غياب حل سريع ورغبة واضحة في تحرير مناطق سهل نينوى قد فاقم من النزيف السكاني، وأجبر بعض شباب على الإنضمام لمغامرة ركوب أمواج بحر إيجه بحثاً عن السلام في أوروبا.
لكن الشعب الآشوري يصرّ على مواصلة الحياة، ويحتفل هؤلاء في مدينة ألقوش، الواقعة على بعد 15 كم فقط من مناطق سيطرة «داعش»، بإستقبال سنتهم على أنغام الموسيقى الخاصة بهم. يقول نجاح القس يونان، انه على الرغم من كل شيء كانت «الإحتفالات متواضعة، ولم يعد لدينا الكثير لنفرح من أجله».
وقبل أحداث حزيران / يونيو، كانت هنالك 1200 عائلة في بلدة ألقوش، أي حوالى 4500 شخص وفق تعداد العام 2008. يؤكد يونان ان عدد العائلات لا يتجاوز الـ850 عائلة»، مضيفاً ان «الجميع يعيش على الهامش».
الأحزاب تضعفنا
وإستقلبت ألقوش 581 عائلة مهجرة، وتحصل كل عائلة على مساعدات غذائية شهرياً تقدمها لهم الكنيسة الكلدانية. يقول يونان أنه كان يخرج منذ الصباح الباكر إلى أفران الخبز لتوزيعه على العوائل المهجرة، موضحاً ان «الأحزاب المتواجدة حالياً من أسباب تعزيز الإنقسام بين المسيحيين في العراق»، مشيراً إلى انه لديهم خمسة ممثلين في البرلمان في كل دورة، لكن «أياً منهم لم يقم بأي شيء من أجلنا. وإلا كيف تم تمرير قانون البطاقة الوطنية من دون إحتجاج أو إستقالة من المنصب بسبب قضية تضر بمصالح جمهورهم؟».
وبوجه باسم يتحدث فيانكي خوشابا، سكرتير إتحاد الطلبة والشبيبة الكلدوآشوري، في مقابلة مع «القدس العربي» من مكتبه في مدينة دهوك، والذي تزينه أعلام تحمل شعار الإله آشور ويضم تمثالاً صغيراً للاًماسو (الثور المجنح) وحارس القصور الآشورية أيام مجد الإمبراطورية. يقول أن الاتحاد تأسس في العام 1991 وهو عضو في إتحاد الطلبة الديمقراطي بالعالم، مشيراً إلى ان نشاطات الاتحاد تركز على الجوانب الرياضية، والثقافية، والكشفية، والترفيهية الخاصة بالشباب، «لكننا الآن ننطلق لإقامة علاقات خارجية في مجال الأنشطة الشبابية حول العالم».
يشكو خوشابا من ضعف وغياب الإهتمام بالأنشطة الشبابية في العراق، لكنه عبر عن سعادته بالدعوة الأخيرة التي تلقاها إتحادهم من رئيس الوزراء حيدر العبادي لحضور مؤتمر الشباب الأخير في بغداد، «سيتاح لنا إيصال صوتنا للمطالبة بتوفير فرص عمل للشباب»، مؤكداً مطالبته بـ»تواجد دوائر حكومية في سهل نينوى وإقامة مشاريع ومصانع هناك. نحن نسعى لمنح فرصة أكبر للشباب الاشوري».
البطاقة الوطنية: طريقة اضطهاد
لم يفت خوشابا ذكر موضوع البطاقة الوطنية التي إنتقدها بطريرك الكلدان في العراق والعالم، لويس روفائيل الأول ساكو، معتبراً إياها إحدى «طرق التمييز والإضطهاد»، ضد مواطنين ساهم أجدادهم في صياغة أول القوانين المعروفة في العالم منذ أيام الملك السومري أورنمو في القرن الحادي والعشرين (ق.م)، مطالباً الحكومة والبرلمان بـ»تعديل النصوص الدستورية والقوانين التي تهمشنا وتقصينا، لاسيما المادة 126 في قانون البطاقة الوطنية الموحدة».
يُذكر بأن المادة 18 من قانون الأحوال الشخصية المتعلقة بالقاصرين، تجبرهم على اعتناق الإسلام بمجرد أن تشهر الزوجة (الأم) إسلامها، ويلحق بها كل أولادها غير البالغين، ويخيّر زوجها بين الإسلام أو الطلاق، وإنّ القانون نفسه يسري على الزوج (الأب) أيضاً.
الى ذلك، يؤكد الدكتور دانيال راواند بولص، بأنه شارك في مظاهرة أمام مقر الأمم المتحدة في أربيل، إحتجاجاً على هذه المادة. يعيش دانيال، (25 عاماً) وسط عنكاوا التي إستضافات عشرات الأسر المسيحية المهجرة في السنوات السابقة، وآلاف الأسر الأخرى التي أجبرها تنظيم «الدولة» على النزوح نحو ملاذِ آمن في ظلال كنيسة القديس يوسف المبنية وفق طراز الزقورة النهرينية القديمة، والمحاطة بأسوار يحاكي معمارها طراز قلاع نينوى وبابل.
هوية محفورة
يقول دانيال أن هوية الشباب الكلدوآشوري «محفورة في داخلنا»، وما يميزنا هو القدرة على المزج بين «هويتنا الثقافية والقومية، مع ديننا المسيحي. لدينا كنيستين رئيسيتين هما الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية وتمثل حوالى 60 في المائة من أبناء شعبنا وكنيسة المشرق الآشورية الأرثذوكسية، لذلك من الصعب جدا أن نتخلى عن هويتنا القومية التي مزجناها بالدين، و شبابنا الآن يمر بحالة إرتباك وحزن لأنه يواجه المجهول ويفكر الكثير منهم بالهجرة مرغما غير راغب».
ويؤكد دانيال أن أسباب الهجرة تعود أولاً إلى اعتماد بغداد «النهج الإسلامي» في الحكم، و»هذا ما جعلنا نعاني بسبب إختلاف ديننا، وفي اربيل تتبنى الحكومة منهجاً قومياً تركنا نعاني بسبب إختلافنا القومي»، ومع ذلك، إختار عددٌ من الشباب البقاء والمواجهة لأنهم، وفق دانيال، ينظرون إلى العراق على أنه أرض أجدادهم المقدسة و لن يقفوا مكتوفي الأيدي وهم يرونه يتدمر على أيدي «المتطرفين و الشوفينيين.»
وعلى الرغم من كل شيء، يصر الشباب الكلدو آشوري على الحفاظ على هويته وتراثه، فيحتفل في مقرات الإتحاد بأغانيه القومية فيدبك الجميع، رغم الأسى، الدبكات الآشورية أمام نماذج من بوابة عشتار وتحت أعلام تزينها رموز الإله شمش ونهري دجلة والفرات، فيما تحرص الكنائس والمدارس الأخرى على نشر تعليم اللغة السريانية والمحافظة عليها، ويقوم البعض بحملات لمحو أمية الكتابة باللغة الأم في عموم أرجاء العراق.