بيروت – عمر بقوق: «سأعود إلى سوريا وأنا أعرف أني لن أستطيع التملص أكثر من الالتحاق بصفوف الجيش، ولكن عودتي ليست ناجمة عن قناعتي بضرورة محاربة الإرهاب أو انتظاري لمرسوم العفو الذي أصدره النظام السوري مؤخراً، وإنما بسبب اعتقادي بأنه لا توجد حياة أسوأ من الحياة التي أعيشها في لبنان»، هذا ما قاله خليل قبيل عودته إلى سوريا بيومين. خليل الذي غادر منذ تسعة أشهر بلده لانعدام فرصه بالتأجيل بعد تجاوزه عتبة الستة وعشرين عاماً، ورفض شعبة التجنيد لطلب التأجيل الدراسي، وتخلى حينها عن شهادة كلية الهندسة الميكانيكية بعد أن وصل إلى السنة الرابعة.
ويبدو أنه لا يمكن أن نقرأ الواقع السياسي في منطقة الشرق الأوسط مجزءًا، ربما بسبب التوزع الجغرافي الجديد للسوريين في المنطقة، فالتوصل لقرار الهدنة في سوريا يرتبط بالاتفاق التركي الأوروبي، الذي أغلق باب الهجرة غير الشرعية بين تركيا واليونان، وأغلق نافذة الأمل المتبقية للاجئين في الدول المحيطة بسوريا، والذين ازدادت معاناتهم، ولا سيما في لبنان، منذ أن فرضت الحكومة اللبنانية قوانين جديدة تخص السوريين في العام الماضي.
وتضاءلت كمية المعونات المقدمة من الأمم المتحدة، وكذلك فإن فرض الحكومة التركية تأشيرة الـ «فيزا» على السوريين لم يتزامن صدفةً مع المرسوم التشريعي رقم 8 لعام 2016 الذي أصدره رئيس النظام السوري بشار الأسد، والذي منح فيه عفواً عاماً عن جرائم الفرار الداخلي والخارجي والجرائم المنصوص عليها في خدمة العلم.
إن مرسوم العفو الجديد ليس الأول من نوعه، ولكنها المرة الأولى التي يتجمهر فيها أهالي الشباب السوريين المهاجرين أمام باب شعبة التجنيد لتسوية أوضاع أبنائهم. لذلك تبدو الأسباب التي تدفع الشباب للعودة والالتحاق بالجيش لا ترتبط بالتطورات السياسية والعسكرية في القضية السورية، بقدر ارتباطها بتضييق هامش العيش على السوريين في دول الجوار، ليجد البعض أن خيار العودة هو الخيار الأمثل في ظل إغلاق باقي المنافذ للسوريين.
يقول عمر، الشاب السوري، أنه «لا يمكن أن تتصور مستقبلك في لبنان، لذلك كنت أحاول إدخار المال في الفترة الماضية لأتمكن من الوصول إلى أوروبا، ولكن بعد أن فرضت الحكومة التركية الفيزا على السوريين بدأت أفكر بالعودة»، إلا أن العودة إلى سوريا لا تعني بالنسبة للجميع العودة لساحة المعركة، موضحاً أنه لن يعود إذا لم يستطع الحصول على ورقة تأجيل العسكرية، و»تفكيري بالعودة لا يعني بالضرورة قبولي بواقع التجنيد الإجباري»، وفق ما يقول متحسراً.
فخيار العودة لا يبدو مرتبطاً بالحنين إلى الماضي، وإنما يبدو مرتبطاً بالمقارنة العقلانية بين واقعين كلاهما مرّ، فلو كانت الحياة في سوريا مثالية لما غادرها الملايين، وكذلك لو كانت الحياة في دول الجوار جيدة لما قام السوريون بالمخاطرة بأرواحهم وركوب البحر، ولكن البعض يرى أن الحياة مهما بدت سيئة في لبنان فإنها تبقى أفضل من العودة إلى سوريا في الوضع الحالي. يقول علاء: «إن العودة اليوم تعني الاستسلام للموت، ولن أخاطر بحياتي وأعود إذا لم تنته الحرب في سوريا» ، ولذلك يرضى الشاب السوري بأن يعيش في لبنان على الرغم من شعوره بالاستغلال والاستضعاف، ويتابع علاء: «إني أعمل في محل لبيع الثياب لمدة 12 ساعة يومياً وأتقاضى 450 دولارا أمريكيا وهو نصف راتب الشاب اللبناني تقريباً، وحتى لو أعطوني ربع راتبه فإني لن أفكر بالعودة».
وعلاوةً على ذلك، فإن المرسوم التشريعي رقم 8 لم يحقق المرجو منه بالنسبة للشباب العائدين إلى وطنهم، فخليل الذي عاد بعد تاريخ صدور المرسوم بأسبوعين اعتقلوه على الحدود، وأرسلوه بعد أربعة أيام إلى الدورة الافتتاحية للعساكر، وهو ينتظر انتهاء الدورة ليلتحق بصفوف الجيش العربي السوري على الجبهة. وعلاوةً على ذلك فقد اضطر لدفع الغرامات المالية المترتبة عليه بسبب تخلفه لمدة تسعة أشهر عن خدمة العلم. فنص المرسوم لم يتضمن أي توضيح له علاقة بالغرامات المالية المترتبة على المتخلفين، ووفق ما صرح رئيس شعبة التجنيد الوسيطة عماد الياس في حواره على قناة «سما الفضائية»، فإن العفو يشمل فقط العقوبات الجزائية، والمقصود بها الحبس في السجون العسكرية ومضاعفة مدة التجنيد الإلزامي، أما الغرامات المالية فلم يصدر مرسوم بخصوصها.
وهكذا يبدو النظام السوري يستغل الأحداث الخارجية والعقوبات الدولية الجديدة المفروضة على الشعب السوري، كالفيزا التركية واغلاق المعابر وغيرها، ليعيد الشباب السوريين ويجندهم بأرخص الأثمان، ويصرح المتحدث الرسمي بذلك أثناء المقابلة وبالعلن.وبالتالي فإنه من الطبيعي ألا يعود إلا قلة من الشباب في نهاية المطاف، ويتساءل إعلاميو قناة سما بعد انتهاء المقابلة: لماذا يغادر السوريون حضن الوطن؟.