شباط في مواجهة العاصفة

لنفسر أولا للقراء غير المغاربة من هو السيد حميد شباط. هو أولا وقبل كل شيء نقابي ومناضل استقلالي. هو رجل لا يهاب شيئا أو يكاد. ويمكن أن يتحالف مع أي أحد ليحقق أهداف حزبه أو نقابته أو أهدافه هو الشخصية. إنه لا يتورع عن قول أي شيء يمكن أن يفيده في السير نحو هدفه بقوة وحزم. فقد صرح مثلا أمام عشرات الآلاف من أعضاء ومتعاطفي نقابته الاتحاد العام للشغالين بالمغرب بمناسبة عيد العمال سنة 2013 أن بعض وزراء حكومة بنكيران الملتحية سكيرين رغم أن حزبه كان مازال مشاركا فيها بعدة وزراء. ثم أكد بعد ذلك أن عبد الإله بنكيران عميلا للمخابرات الإسرائيلية المتجسدة في الموساد، ثم بعد ذلك أن زعيم العدالة والتنمية إنما هو عضو سري في تنظيم الدولة الإسلامية داعش. وحسب الملاحظين فإن شباط فعل كل هذا في إطار تفاهم مع جهات في النظام كانت تهدف إلى إسقاط حكومة بنكيران في صيغتها الأولى، مقدمة وعودا سخية لشباط بشرط أن ينجح في إقناع حزبه بفسخ التحالف مع حزب العدالة والتنمية. فعلا ضغط شباط بكل ما أوتي من قوة وبلاغة شعبوية في اتجاه هذا الهدف. وقد شكل خروج حزب الاستقلال من الجهاز التنفيذي في صيف 2013 ضربة قوية لحكومة بنكيران، هاته الضربة التي اعتبرها الأمين العام للعدالة والتنمية ضربة غادرة موجهة إليه شخصيا من داخل النظام، مما أدى إلى حالة دائمة من التوتر بين هذا الأخير وأوساط قوية متحكمة في القرار المركزي. نتج عن كل هذا تنابز وعراك بين الحزب والدولة أدى في الأخير إلى الانحسار الخطير أو البلوكاج الذي دام ما يقرب من نصف السنة والذي توج في الأخير بالإعفاء اللادستوري لبنكيران في آذار/مارس 2017. إن هذا الإعفاء والذي هدف إلى تهميش زعيم العدالة والتنمية زاد من التوتر بين النظام وبنكيران مؤديا في الأخير إلى «بجددة» الأزمة أي إلى تحويله إلى أزمة داخلية للبيجيدي.
ولنعد الآن إلى وعود الجهات النافذة التي قدمت لشباط والتي لم يوف بها ولكن شباط بقي وفيا لنفسه ولطريقته في العمل، إذ قلب ظهر المجن للذين خانوا عقدهم معه فهاجم، بكل قوة وبحرية في التعبير تجاوزت تلك التي لجأ إليها أحيانا بنكيران، أقول هاجم «المخزن» والنظام» و»التحكم» والبام بل واتهم أحد زعماء هذا الأخير بالاتجار في المخدرات وأشاد بحزب العدالة والتنمية وبزعيمه. ورغم الضغوط والتهديدات والوعيد وكل الإشارات السلبية الآتية من فوق، أظهر الرجل عن شجاعة نادرة في الوسط السياسي المغربي الرسمي. نسي إذن الأمين العام لحزب الاستقلال كل ما قاله ضد بنكيران وحزبه خلال سنوات 2012 ـ 2014 ليتقرب من هذا الأخير بعد نتائج الانتخابات البلدية لعام 2015 والتي حقق فيها العدالة والتنمية فوزا مهما. بل إن الرجل ذهب إلى حد وضع بيض حزبه في سلة واحدة رغم أن النيران بدأت تحرق أطرافها حيث دخل في تحالف سياسي رسمي مع بنكيران المغضوب عليه علانية من القصر عقب الانتخابات التشريعية لأكتوبر 2016. رفض شباط المشاركة في ما سمي بمؤامرة 8 أكتوبر والتي هدف منها حزب الدولة إلى تكوين تحالف أغلبي جديد يجمع أغلبية الأحزاب الممثلة في البرلمان ليعزل بنكيران مما سيكون مبررا سياسيا كافيا لأن يعين رئيس الدولة شخصية أخرى على رأس الحكومة. عوض أن يخضع شباط للأمر الواقع ويكتفي بأكل نصيبه من الكعكة التي طهيت بعيدا عنه وضد بنكيران، جدد زعيم الاستقلال العقد الشفوي مع الأمين العام للعدالة والتنمية مصرحا بأنه لن يدخل في حكومة لا تكون ترجمة ديمقراطية ودستورية لنتائج الانتخابات التشريعية التي خرج فيها حزب بنكيران بفوز ساحق فقد حصل على أعلى نسبة مئوية حصل عليها حزب مغربي في انتخابات تعددية منذ استقلال المغرب.
كان شباط يعلم أنه يلعب أوراقه الأخيرة مع النظام الذي حرك ضده معارضة عنيفة من داخل حزب الاستقلال والمنظمات الاجتماعية القريبة منه. كما أطلقت الصحافة المقربة من السلطة حملة تشهير رهيبة اتهم فيه زعيم الاستقلال بكل شيء وبنقيضه. بل أن قرارا صادرا عن محكمة بالرباط أعطى الحق لتيار شباط داخل الاتحاد العام للشغالين بالمغرب في تمثيل النقابة واستغلال مقراتها قد ناقضه بوقت قصير قرار من محكمة بسلا دون احترام لا الصلاحيات الترابية لمحكمة الرباط ولا تراتبية المنظومة القضائية. أكثر من هذا تدخل الأمن عبر اعتداء مادي مباشر لمنع شباط ومناصريه داخل النقابة من عقد مؤتمرهم مقدما بهذه الطريقة وعلى طبق من ذهب النقابة وممتلكاتها لخصوم شباط.
نفس الشيء يحاول الأمن السياسي فعله الآن بحزب الاستقلال وبمؤتمره القادم. ورغم أن كل المؤشرات تظهر بأن مناصري شباط سيمثلون أقلية قليلة بالمؤتمر، اللهم إلا إذا حدثت معجزة في آخر لحظة، فإن شباط قد أعلن، أمام استغراب الجميع، ترشحه لولاية ثانية على رأس الحزب.

٭ كاتب من المغرب

شباط في مواجهة العاصفة

المعطي منجب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية