(شباك): بينالي الثقافة العربية في صيف لندن

حجم الخط
0

يشهد صيف العاصمة البريطانية كرنفالاً للثقافة العربية بنسخته الثالثة (شباك). وهو نافذة مشرعة تطل على الثقافة العربية المعاصرة. إسبوعان من الفعاليات الثقافية المنظمة أقيمتْ في أبرز المراكز الثقافية في لندن، شملت عروضاً مسرحية وسينمائية ومعارضاً للنحت والرسم والفن الرقمي وندوات ومحاضرات أدبية وقراءات شعرية وتوقيع كتب وحفلات موسيقية وغنائية وورش لتعليم اللغة العربية للأطفال. مهرجان (شباك) الذي أقيم للمرة الأولى عام 2011 برعاية عمدة لندن بوريس جونسون يتيح فرصة للجمهور البريطاني للتعرف على الثقافة العربية المعاصرة التي تأثرتْ بالتغييرات السياسية والاجتماعية بعد ثورات ما يسمى بالربيع العربي، ومن جهة أخرى يشجع المقيمين والسياح العرب الذين يقضون إجازاتهم الصيفية في لندن على المشاركة في هذه الفعاليات والتعرف عن قرب على الكتاب والفنانين المشاركين فيها. مهرجان (شباك) الذي أصبح من أهم الأحداث الثقافية التي تشغل موقعاً مميزاً في خريطة الفعاليات الثقافية التي يتحلى بها صيف العاصمة البريطانية، تموله عدد من المؤسسات الثقافية مثل مؤسسة القطان الثقافية والمجلس البريطاني للفنون والصندوق العربي للثقافة والفنون كما يُدعم من مؤسسات ثقافية عريقة مثل المجلس الثقافي البريطاني ومهرجان أبو ظبي والجائزة العالمية للرواية العربية (بوكر) والمركز الثقافي العراقي والمركز الثقافي المغربي وغيرها الكثير من المؤسسات الثقافية.
من أهم فعاليات كرنفال (شباك) لهذا العام هو مهرجان الأدب العربي المعاصر الذي اقيم في المكتبة البريطانية برعاية مكتبة الساقي ومؤسسة القطان وعلى مدى يومين كاملين. شارك في المهرجان نخبة من خيرة الروائيين والكتاب والشعراء العرب المعاصرين المقيمين في دول أوروبا وشعراء وكتاب من البلدان العربية. تناول هذا المهرجان محاور أدبية متعددة بمنتهى الحرية في التعبير عن الرأي وإحترام الرأي الآخر وفي نقاش مباشر مع الجمهور. بدأت فعاليات اليوم الأول بورشة لتعلم العربية ورسم الحروف للأطفال لرسامة الأطفال والمصورة لينا مرهج.
تلى ذلك ندوة أدبية ونقاش مفتوح مع الجمهور، بعنوان «هل الأدب العربي المترجم إلى الانكليزية في تصاعد؟»، أدار الحوار الكاتب البريطاني السوري روبن ياسين قصاب وشارك في النقاش الكاتب والمترجم العراقي سنان إنطون والروائية الفلسطينية سلمى الدباغ والمترجم والأكاديمي البريطاني دانيال نيومان من جامعة درهام البريطانية والصحافية والمترجمة مارشا لينكس كوري المشرفة على موقع الأدب العربي بالانكليزية. خلص النقاش الذي دار بحميمية مع الجمهور إلى إزدياد الطلب على الأدب العربي المترجم للانكليزية بشكل عام وكذلك هناك أدباء عرب نالوا جوائز أدبية عالمية مرموقة لكن هذا الطلب يقابل بقلة عدد الكتب التي تترجم سنوياً وعدم وجود جهات رسمية تمول جهد الترجمة. ندوة أخرى عن أدب الخيال العلمي في العالم العربي ناقشت موضوع «هل إن أدب الخيال العلمي قد يحثنا على تصور مستقبل مغاير في البلاد العربية؟» شارك في هذه الندوة وعبر السكايب الروائي المصري أحمد خالد توفيق مؤلف رواية «يوتوبيا» التي ترجمت الى الانكليزية ونُشرت عن دار نشر بلومزبري وكتب عنها عدة نقاد بريطانيين في صحف مرموقة مثل «الانديبندنت». كذلك شارك في هذه الندوة الكاتب المسرحي العراقي حسن عبد الرزاق عن مجموعته القصصية التي صدرت بالانكليزية والتي يتخيل فيها كائنات فضائية تغزو بغداد. وشارك المترجم البريطاني جوناثان رايت الذي يعكف على ترجمة راوية «فرانكشتاين في بغداد» في النقاش عن الرواية بإعتبارها رواية رعب علمي من نوع ما، فيما عرض فيلم عن الرعب في شوارع بغداد أبان فترة الإقتتال الطائفي التي ألهمت أحمد سعداوي ثيمة روايته، التي فازت بجائزة البوكر في نسختها العربية. ممثلون من عدة دور نشر بريطانية ومجلات متخصصة بهذا الأدب، شاركوا في النقاش المفتوح مع الروائيين فيــمــا طــرح أحد الحاضرين سؤالا عن مــدى تعارض تعـاليم الإسلام كدين رسمي للبلدان العربية مع حرية التخيل العلمي.
ندوة أخرى ناقشت «هل الكتابة تغير؟ وما هو دور الأدب والشعر في أوقات الإضطرابات والحروب» شارك فيها الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي الذي ترجمت أهداف سويف كتابه «رأيت رام الله» الفائز بجائزة نجيب محفوظ الأدبية، والذي كان متاحا للجمهور عبر معرض مصغر للكتاب أقامته مكتبة الساقي خارج قاعة النداوت، والشاعرة الكوردية جومان هاردي والكاتبة والصحافية السورية رشا عباس التي شاركت في النقاش عبر السكايب من منفاها في المانيا. من أهم الآراء التي وردت في النقاش هو ما قاله الشاعر مريد البرغوثي عن كون الشعر والأدب والفن بشكل عام هو جوهر الإنسان المبدع وخلاصة تجاربه الروحية والاجتماعية، وعليه أن يبتعد عن إستعباد السلطة بمختلف أشكالها. وقال أيضا إن القصيدة تكف عن شعريتها إذا عبرت بشكل مباشر عن الواقع، وتصبح مجرد أداة دعائية تشبه إلى حد ما الشعارات السياسية.
ختمت فعاليات اليوم الأول بقراءات أدبية وشعرية، فقد قرأت الروائية السورية سمر يزبك مقتطفات من كتابها «العبور»، وقرأ الروائي الفلسطيني عاطف أبوسيف من يوميات الحرب على غزة «طائرة بلا طيار تأكل معي». ثم قراءات شعرية بالعربية والانكليزية للشعراء: الفلسطيني مريد البرغوثي والعراقي غريب إسكندر والشاعرة الفلسطينية رفيف زيادة والشاعرة البريطانية ـ المصرية صابرينا محفوظ.
اليوم الثاني من هذه الإحتفالية الأدبية، بدأ بندوة نقاشية عن الروايات والقصص المصورة التي تشهد رواجاً في المشهد الأدبي المعاصر. شاركت في الندوة المصورة اللبنانية لينا مرهج صاحبة مجلة «السمندل» للقصص المصورة، ورسام الكاريكتور المصري أنور محمد، وطارق شاهين رسام الكاريكتور المصري الساخر ورسامة القصص المصورة البريطانية- الليبية آسيا الفاسي. تلا ذلك ندوة نقاشية أخرى عن «الكتاب الأوروبيين من أصل عربي» وكيفية تجاوزهم الحياتي والأدبي لمعضلة إنشطار الثقافة والهوية. شارك في النقاش والذي تلاه قراءات لنماذج من أعمال الكتاب، الشاعر الهولندي- المغربي مصطفى ستيتو، والروائية الفرنسية – الجزائرية فائزة عون والروائية البريطانية- السودانية ليلى ابوليلا. الندوة النقاشية الأخيرة كانت عن «ظهور أصوات جديدة شابة في الأدب العربي» كذلك تغير المواضيع المتناولة وتطور التعبير اللغوي بما يتلائم مع سمات العصر، وتغير في تناول التابوات، شارك في الندوة الروائية العمانية جوخة الحارثي التي ترجمت روايتها سيدات القمر الى الانكــلــيزية والروائية السورية شهــلا العجيلي وكان من المقرر أن يشارك الروائي اليمني علي المقري لولا مشاكل الحصول على الفيزا.
الأمسية الختامية لهذا المهرجان الأدبي كانت مع الروائي اللبناني والصحافي والناقد إلياس خوري الذي ترجمت أغلب رواياته إلى الانكليزية وآخرها رواية «كأنها نائمة». حاورته الروائية والناقدة البريطانية مارينا ورنر، في رد على سؤال من الجمهور عن روايته «كأنها نائمة» قال إلياس خوري إن الفرق بين الأحياء والأموات، إن الأحياء يحلمون ويصحون من أحلامهم بينما الأموات مستمرين في حلم بلا نهاية. وقال أيضا أنه يفضل الحلم المستمر على واقع يحكمه الظلاميون والتكفيريون كداعش.
وقال إنه سعيد للمشاركة في مثل هذه النشاطات التي تستقطب الكثير من الجيل الثاني من الشباب العربي المهاجر، في حين يصعب على العواصم العربية أن تنظم أمسيات أدبية كهذه، تجمع العاصمة البريطانية كتاباً وأدباءً وجمهورا من مختلف البلدان العربية والفئات العمرية.
هذا المهرجان المحتشد بجمهوره وكتابه وشعرائه وموسيقيه وفنانيه يدعونا إلى التساؤل، كيف يمكن للحياة الثقافية أن تزدهر في مدينة متعددة الثقافات كلندن لولا مساهمة اللاجئين والمقيمين في إثرائها؟

فيء ناصر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية