طهران – أ ف ب: يبدي بعض الشبان الإيرانيين مثابرة من حيث التصميم على تحديث بلادهم وإنقاذها من الانهيار الاقتصادي، ولكن وفي مواجهة الضغوط الأمريكية المستمرة وتزايد الصعوبات، فإن العديدين من النخبة المتعلمة يرغبون في مغادرة البلاد.
وفي شرفة فاخرة في طهران تحت مظلة تحميهم من شمس الصيف اللاهبة، يعكف عدد من رواد الأعمال على تصوير قصص نجاح وتوجيه النصائح إلى الجيل التالي من الراغبين في ان يكونوا رواد أعمال وأصحاب شركات ناشئة.
وبالنسبة لهذا البلد، الذي من المُفترض ان يكون على حافة انهيار اقتصادي، يسود التفاؤل بين هؤلاء بشكل يدعو إلى الدهشة.
يقول رضا غيابي، الرئيس التنفيذي لشركة استشارات تركز على التكنولوجيا «نحن خبراء في التأقلم مع أوقات الأزمة»، ويطلق على نفسه لقب «المتفائل المسؤول الأكيد».
وقال في مقابلة أمس ان «العديد من الإيرانيين حققوا نجاحا في الماضي في برلين ووادي السيليكون (في كاليفورنيا) ولندن، لكن جيلنا متعب من الهجرة ومن مجرد العمل في وظيفة. والان نحاول عمل شيء لأنفسنا».
ويعلم الجميع ان التحديات كبيرة تتمثل في انتشار البطالة وارتفاع الأسعار وانهيار سعر العملة الوطنية (الريال).
ولا تساعد عودة العقوبات الأمريكية، عقب قرار واشنطن الانسحاب من الاتفاق النووي 2015، ولا التهديدات المتبادلة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والمسؤولين الإيرانيين في الأيام الأخيرة.
وقال علي رضا خوداي (30 عاما) الذي يصنع أحذية فاخرة، وأحد منظمي «أسبوع الشركات الناشئة الأول» في طهران الذي يبدأ في الثالث من الشهر المقبل «نحن ندرك ان هذا الوضع ليس جيدا، ولكن لا يمكن ان نجلس في انتظار ان تتحسن الأمور. علينا ان نفعل ذلك أنفسنا». وهناك بعض الأمثلة التي تبعث الأمل لدى الشبان الذين يمتلكون تعليما عاليا ومعرفة بالعالم وهو نجاح تطبيق سيارات الاجرة «سناب»، ومجموعة المقاهي والمطاعم الجديدة، ومراكز التكنولوجيا التي تقدم مختلف الخدمات من بث الموسيقى عبر الإنترنت، إلى بوابات التعليم الإلكتروني.
وحكومة الرئيس الإيراني حسن روحاني التي تشجع الاعمال هي اقل تشككا من الحكومات السابقة في الابتكارات ذات الطابع الغربي.
وقال خوداي «حاولنا ان نكون مستقلين في السابق لكننا لا نستطيع تجاهل الحكومة، وهناك أشخاص الآن يستمعون ويتفهمون. نريد ان نكون جزءا من صُنّاع السياسات». لكن هذا التفاؤل يتضاءل بين المتعلمين من الطبقة الوسطى والعليا من الشبان الإيرانيين، الذين لا يرون أي احتمالات للتغير السياسي والاقتصادي.
وإذا كان المسؤولون في واشنطن يأملون في ان يؤدي ذلك إلى احتجاجات واسعة ضد الحكومة، فعلى الأرجح أن أملهم سيخيب. فالرد القاسي الذي واجهته التظاهرات السابقة، والخوف من ان تؤدي الاحتجاجات إلى حالة من الفوضى كما حدث في سوريا، أوجدت عند الشبان حالة من القبول بالامر الواقع. وبدلا من ذلك فإنهم يرغبون في مغادرة البلاد.
تقول باريسا طالبة الحقوق (20 عاما) «الشباب فقدوا كل امل لهم في المستقبل». واضافت «كنت أتطلع إلى العمل لثلاثة اشهر لتغطية تكاليف دراستي ومساعدة والدي. أنا طالبة حقوق ولكنني أعلم أنني عندما أنهي دراستي لن أجد عملا».
وتابعت «هناك العديدون الراغبون في المغادرة، وهم على حق لأنه في إمكانهم احراز التقدم خارج البلاد والحصول على راتب لائق».
وكثفت الولايات المتحدة ضغوطها خلال اليومين الماضيين حيث هدد ترامب بـ»معاناة» غير مسبوقة لإيران، واعلن وزير خارجيته مايك بومبيو تجدد الحملة الدعائية لتقويض مكانة قادتها.
ولكن بالنسبة للشباب الإيراني فإن كل ذلك مجرد ضوضاء لا تثير الانتباه. فقد ولد نحو ثلثي الإيرانيين بعد الثورة الإسلامية 1979 وتعودوا أثناء نشأتهم على الشد والجذب بين حكوماتهم وواشنطن.
ويركز هؤلاء الشباب بشكل اكبر على ما يحدث داخل بلادهم، وبالنسبة للعديدين فإن قرار الحكومة في أيريل/نيسان الماضي حظر تطبيق تلغرام الاكثر انتشارا للتواصل الاجتماعي كان ضربة قاصمة.
,قال شاب في العشرينات يعمل في مونتاج الأفلام وساهم في حملة اعادة انتخاب روحاني العام الماضي عندما وعد بوقف الرقابة «بقيت في غرفتي يومين لشدة الاكتئاب الذي شعرت به».
وأضاف «لقد قطع كل هذه الوعود، لكن حدث ذلك. كنت أغضب بشدة من جميع اصدقائي الذين كانوا يغادرون البلاد، ولكن للمرة الأولى أشعر ان الوقت ربما حان لأغادرها». وتحسنت الامور نوعا ما بالنسبة للشباب، ولكن ليس بالسرعة التي تواكب توقعاتهم.
واليوم ينتقدون الحكومة والنظام بصراحة بطريقة لم يمكن من الممكن تخليها قبل سنوات قليلة، ولكنهم يشعرون بأنه يتم تجاهلهم.
يقول الطالب احسان (24 عاما) «المسؤولون لا يستمعون للشبان، فهم يتجاهلون آمالهم ورؤيتهم للحياة والمجتمع والدين والسياسة».
وأضاف «لقد كنت من الذين قالوا لأصدقائهم ان عليهم التصويت لان ذلك يسمح لنا بالمطالبة بامور … لكنني أرى الآن أنه ليس في إمكاننا ان نفعل شيئا».
ولكن هجر الاصدقاء والعائلة والوطن أمر صعب، ولذلك فرواد الأعمال المتفائلين مصممون على الكفاح حتى النهاية.
يقول أمير رضا محمدي أحد منظمي «أسبوع رواد الاعمال» ان تأثير العقوبات لم يكن سلبيا تماما. ويوضح أنه من خلال حجب المنافسة الخارجية فإن العقوبات «خلقت وظائف للشباب الإيرانيين وأوجدت لدينا الرغبة في دفع مشاريعنا إلى الأمام».
ويضيف «ربما أضطر في يوم ما إلى مغادرة البلاد .. ولكن هنا يمكنني ان احدث تأثيرا وهذا ما يدفعني للبقاء».