ربما كانت مهمتي ككاتب ستكون أسهل لو لم أكن قد عرفت الأستاذ عوض الفقي.
في أيام كهذه وفي التي تليها حتى موعد لا يعلمه إلا الله، حيث لا تكف الجرائم والمصائب عن استنساخ نفسها، سيضطر الكاتب إلى تكرار نفسه، إذا كان يرغب في الاستمرار في الكتابة، ولذلك سيحتاج إلى استحضار القليل من سكة أنيس منصور، وتجاهل شبح عوض الفقي حين يظهر قبل التفكير في إعادة نشر مقالة قديمة.
«عوض الفقي من رجال التعليم بكفر الشيخ»، هكذا كان يوقع رسائله التي لفتت انتباهي منذ توليت تحرير صفحة بريد القراء في صحيفة «الدستور»، الأولى، عام 1995. كان يكتب رسائله بخط من أروع ما رأيت، ويخصص أغلبها لتتبع وتعقّب الكاتب الشهير أنيس منصور، فيرصد الأخطاء التي ترد في بعض كتاباته، ويكشف تناقضاته في الآراء والمواقف، أو «اللا مواقف» إن شئت الدقة، أما أكثر ما كان يرصده عوض في رسائله «الأنيسية»، فقد كان المقالات التي يكرر أنيس منصور نشرها في الصحف والمجلات التي يكتب فيها، والتي كانت تصل إلى ما يقرب من عشر صحف ومجلات مصرية وعربية، كان يكتب في ثلاثة منها ولسنوات مقالاً يومياً مختلفاً ـ أو هكذا يفترض ـ ولا أظن ذلك قد تكرر مع كاتب غيره في العالم.
لم يكن يثير استغرابي تكرار أنيس منصور لمقالاته في الصحف والمجلات التي كانت حريصة على نشر أي شيء يحمل توقيعه، بقدر ما كان يثير استغرابي قدرة عوض الفقي على رصد ذلك التكرار في عصر ما قبل الإنترنت، الذي لم يكن يستخدمه داخل القاهرة سوى من أوتوا الصبر على تحمل عناء استخدامه، وكنا نعدهم من أهل الحظوة والخطوة، الذين يسافرون إلى عوالم بعيدة لا نملك إليها سبيلاً، ويجلبون لنا الأعاجيب من ذلك المكان، الذي كان يحلو لنا أن نستخدم اسمه العربي المبين: (شبكة المعلومات الدولية)، لأن تركيبة الاسم كانت تضفي المزيد من الهيبة على كل ما يأتي منه.
ولأن الإنترنت لم يكن قد وصل حينها إلى كفر الشيخ، ولم تكن الصحف والمجلات العربية تنشر موادها عليه في ذلك الوقت، فقد كان ما يصطاده عوض الفقي من تكرارات أنيس منصور، يعني أن الرجل لا يحرص فقط على تصفح كل الأماكن التي يكتب فيها أنيس، بل ويقوم بتفريغ مضامين مقالاته مصحوبة بتاريخ النشر، ثم ثبت بعد ثاني رسالة أنه يحتفظ بنصوص المقالات، لأنه لم يكتف بما فعله في الرسالة الأولى، حين أشار إلى نماذج من عناوين المقالات المكررة في أكثر من صحيفة في تواريخ متقاربة، بل أخذ في رسائله التالية يستعرض كيف تم نشر المقالة في هذه الصحيفة وتلك المجلة بعد عمل تغييرات طفيفة، مندداً بما اعتبره «استغفال أنيس منصور للقراء وخداعه للصحف التي تمنحه أجراً فلكياً عن مقالات سبق أن تقاضى عنها نفس الأجر الفلكي بدل المرة عشر مرات بل وأكثر»، لأن قائمة التكرارات كانت تمتد إلى صحف ومجلات قرأها عوض في السبعينات والثمانينات.
كانت رسائل عوض الفقي مادة مغرية للنشر، خاصة أنه كان يكتبها بأسلوب متميز، فلم أكن أبذل جهداً في تحريرها سوى اختيار العنوان، وحتى هذا كفاني مؤونته، حين بدأ يكتب عناوين لرسائله تشبه طريقتي في اختيار العناوين، ومع أنه لم يكن ممكناً لي أن أنشر رسالة في كل أسبوع أو حتى في كل شهر لنفس القارئ، لكي لا يلعن سنسفيلي باقي القراء، وقد كان بعضهم يفعل على أية حال، فما بالك بتكرار نشر رسالة لنفس القارئ عن نفس الموضوع، ومع ذلك ظل عوض يواصل إرسال رسائله المتعقبة لأنيس بوتيرة منتظمة، مما جعله يصبح محل اهتمامي أكثر من أنيس منصور الذي لم أكن من محبيه بعكس كثير من أبناء جيلي.
كانت تلك المرة الوحيدة طيلة العامين الذين قمت فيهما بتحرير الصفحة، التي لا أكتفي بالرد على قارئ داخل الصفحة، بل أراسله لأطلب منه أن يحدثني عن نفسه وسر اهتمامه المفرط بأنيس منصور، وعن طريقة إدارته لحياته بشكل يجمع بين الرجولة والتعليم وتعقب أنيس منصور، قبل أن أكتشف بالصدفة أن ما ظننته من هوس عوض بأنيس، كان ناتجاً عن تقصيري في قراءة صفحات البريد في باقي الصحف والمجلات، والتي يراسل الأستاذ عوض الكثير منها مختاراً لكل صحيفة ومجلة، ما يوافق هوى مشرف صفحة البريد فيها، وأنه فيما يبدو اختار موضوع أنيس ليركز عليه في مراسلتي، لأنه قرأ موضوعاً لي عن الدور الذي لعبه أنيس منصور في خدمة السلطة في مراحل مختلفة ومتناقضة، مما يعني أن عوض الفقي لم يكن يكتفي بقراءة وتفلية الصحف والمجلات، بل يحلل أدمغة وأمزجة مشرفي صفحات البريد فيها، بطريقة ظلت لغزاً بالنسبة لي، لأنه تجاهل رسالتي الفضولية التي خرقت قواعد التعامل بين محرري صفحات البريد وبين مراسليهم، أو لأن رسالتي لم تصله مع الشكر لرجال البريد.
لا أدري أين ذهب الزمان بالأستاذ عوض، ولعلي أجد في رحاب الإنترنت وأرجاء «كفر الشيخ الحبيبة» من يدلني عليه، ويجيبني على أسئلتي الحائرة عن آليات تعامله مع الصحف طيلة السنين التي كان فيها نجماً من نجوم زوايا البريد، هل كان صاحب أطيان تكفل له شراء كل ما يصل من صحف ومجلات إلى مدينته التي لم يُسمِّها، ثم يقوم بأرشفتها أولاً بأول كما يفعل بعض من قابلت من عتاولة القراءة، وإن كان أغلبهم من هواة الاقتناء والجمع لا التفلية والتمحيص، أم أنه لجأ إلى الاتفاق مع صاحب كشك جرائد ما، ليقرأ كل ما يصله من صحف ومجلات مقابل أجر رمزي، يجده صاحب الكشك أنفع من عودة الصحيفة مع المرتجع في قطار الصحافة، وهو ما كان يفعله عدد من مدمني القراءة في «الأقاليم» التي يكتسب الوقت فيها بركة يحسدها أهل المدن المبتلاة بالصخب، ومن يلومه لو فعل وهو محكوم بسقف مرتبه كرجل تعليم، خاصة أن وقته لا يمكن نظرياً أن يتسع للدروس الخصوصية وقراءة الصحف والمجلات وتصنيفها والكتابة المنتظمة لها، فهو أمر يشق على أنيس منصور نفسه بكل ما أوتي من سرعة في القراءة وغزارة في الكتابة، ولم يكن الأستاذ محمد حسنين هيكل يفعله إلا بمساعدة مكتب متخصص يقوم كل يوم بجمع وتصنيف أهم ما ينشر في الصحف العربية والعالمية.
للأسف، لم يطُل العهد بصحيفة «الدستور» التي أغلقت في نهاية فبراير 1998، ولم يطل عهدي بأبواب بريد القراء بعدها محرراً أو قارئاً، وحين عدت إلى الكتابة الصحفية في عام 2005، تلقيت رسائل على بريدي الإلكتروني من بعض قراء الدستور القدامى، لم يكن عوض الفقي من بينهم، لكنه ظل حاضراً في ذهني، كلما قمت بإعادة نشر مقال قديم، حين لا يكون لدي جديد في موضوعه، وأنت تعلم كم هو سخي واقعنا في تكرار نفسه إلى حد الإملال والبواخة، ومع أن بعض تلك المقالات كان قد مر على نشرها سنين طويلة، لكنني كنت غالباً أحرص على تذييل المقال المعاد بتاريخ نشره للمرة الأولى، وكان ذلك يزعج بعض مسؤولي الصحف التي أكتب فيها، فيطلبون إزالة تلك الإشارة إلى تاريخ نشر المقال، لكي لا يشعر قارئ صحيفتهم أنني أنشر مقالات «بايتة»، وكنت أرد مازحاً: وهل ترضون لصديقكم أن يصطاده عوض الفقي من رجال التعليم بكفر الشيخ ويقلّ قيمته؟ ولكي لا يظنوا بي الخوف المرضي من ترصد القراء المدققين أقوياء الذاكرة، وهم أقل القراء عدداً وإن كانوا أقواهم عُدّة، كنت أنبههم إلى أن الإشارة أحياناً إلى تاريخ نشر المقال لأول مرة، قد تزيد قراءته أهمية، وتفتح الباب للقارئ لكي يتأمل حركة الواقع المحيط به، بالطبع ثمة مقالات أخرى ليست مرتبطة بالأحداث لا تحتاج إلى ذلك، وعلى القارئ قوي الذاكرة هنا أن يعامل «صديقه» الكاتب، معاملة الشاعر الذي لا يغضب جمهوره إن ألقى عليهم قصيدة قديمة يحبونها، وعلى أية حال لا أذكر أنني أعدت مرة نشر مقالة إلا وحققت عدداً من القراءات يجعل قرار إعادة نشرها صائباً، خصوصاً وأن ساحة القراءة يدخلها في كل عام قراء جدد يريدون تعليقاً جديداً على أحداث تكررت بشكل إجرامي.
وحين قال لي أحد رؤساء التحرير «الجدد» بنبرة لم تعجبني، أنه سيرفض إعادة نشر مقالات قديمة لأي سبب، قلت غاضباً أني كنت أتوقع منه تقدير ضميري اليقظ، وأن عليه إذا رفض تفهم موقفي، أن يحل مشكلة تكرر الأحداث وكُساح الواقع، والتي يفشل كتاب كثيرون في شتى الصحف في تجاوزها، فيلجأون إلى التحايل على ذلك بتكرار مضامين مقالاتهم وإعادة صياغتها على طريقة (قلب الجوارب وجهاً لظهر)، مستغلين ضعف ذاكرة المحررين، وخلو ساحة القراءة من عوض الفقي رجل التعليم بكفر الشيخ.
بلال فضل