«شبه الدولة» والطريق المسدود: غياب السياسة والحراك المجتمعي

كثيراً ما يتجاهل البعض أو تفوت عليهم في رفضهم وثورتهم المبدئية تصريحاتٌ مهمة وكاشفة هي أقرب للبوح لمجرد الاختلاف الجذري المقاطع والمتمترس لشخص المتحدث أو ما يمثله من قوة أو اتجاه سياسي.
بيد أن قدراً من التريث والتأمل كفيلان بتوضيح قيمتها، من ذلك مثلاً تصريح الرئيس القريب بأن مصر «شبه دولة»، ومداخلته السابقة مع عمرو أديب حين صرح بشيءٍ مشابه، تحديداً أن الدولة المصرية ما فتئت تنحدر منذ النكسة وأنها كانت على شفا الانهيار إبان ثورة 25 يناير/كانون الثاني، والأطرف من ذلك هو زعمه بأنه يحجم عن مكاشفة الناس لكي لا يضايقهم أو يحبطهم أو يدخل الضيق والكآبة إلى نفوسهم. لم يخطئ الرجل على الإطلاق ولم يبالغ، بل لعله مجاملٌ يخفف من وطأة الحقيقة وقسوتها، وهو أدرى بذلك بطبيعة الحال، كونه رأس هذه الدولة، التي ليست دولة ومنهارة بحسب اعترافه شخصياً.
نحن في ضوء تصريحٍ كهذا لسنا في حاجة إلى كد الذهن بحثاً عن إثباتاتٍ ودلائل، فقد شهد شاهدها الأكبر وعامود مؤسستها الأهم كلية السلطة والجبروت التي أمسكت تقليدياً منذ يوليو 52 بكل الخيوط، أي مؤسسة الرئاسة. غير أنه من اللافت أيضاً أنه في الأحاديث نفسها يشدد على أهمية الحفاظ على الدولة، ولا يفوت فرصةً ليباهي بدوره في ترميم هذه الدولة التي صار العالم أجمع يحترمها ويتعامل معها بجدية.
في قناعتي هو لا يتعمد أن يناقض نفسه، وما ذلك سوى تعبيرٍ عن اختلاطٍ وتشوشٍ لديه، فهو يخلط خلطاً بيناً بين «الدولة» والوطن، ربما ببساطة شديدة لأنه لا يدرك الفرق، فالاثنان متماهيان لديه، وهو بطبيعة خلفيته العسكرية لم يكن يطرح الأسئلة مكتفياً بإطاعة أوامر رؤسائه، حتى وصل إلى حيث هو الآن، من دون أن يعرف ويفهم،
والحال أننا بالفعل وصلنا إلى هذه الحال بعد ثلاثين عاماً من حكم مبارك، من الإفقار والتفاوتات الطبقية وتحلل بنية الدولة ضموراً في السياسة لصالح أجهزة العنف الدولتي.
لم يخطئ الرئيس السيسي ولم يبالغ، لكنه لم يقل الحقيقة أيضاً، وقد ألتمس العذر له لأنه ببساطة لا يدرك حقيقة دوره ولا طبيعته، فهو يرى نفسه منقذاً مخلصاً، ألم يسق الإعلام وأجهزة الحشد الناس من حوله خالقين تلك الأسطورة؟
ما حدث مع الرئيس المصري والدولة هو أبأس ما قد يحدث لديكتاتور ودولته: لقد صدقوا كذبتهم ووقعوا في حبائلها. لقد جيء بالرئيس السيسي للحفاظ على هذه الدولة، أو شبه الدولة باعترافه، ومكاسب طبقة ضيقة تمثل تلك الدولة مصالحها، هو ابن شبه الدولة هذه، وبالتالي هو جزءٌ أصيلٌ من المشكلة، لا يملك فهماً ولا حلولاً، تلك هي الحقيقة المؤلمة التي تتكشف يوماً بعد آخر على وقع الأزمات والانتكاسات، فالدولة ليست وحدها «الشبيهة»، وإنما التصورات والحلول كلها «شبيهة»، نوعٌ من التحايل لإضفاء صفة الجدية والأصالة، مشروعات عملاقة وبرلمان وما أشبه، لكن حقيقة الأمر، تلك الماثلة وراء غلالات الأوهام والحيل السمعية والبصرية هي الإفلاس، ولعلها مفارقة مؤلمة تلك بين حلول تلك الدولة «الشبيهة» ومشاكلها ومشاكل البلد الحقيقية المزمنة المستفحلة التي تهدد وجود مصر ككيان كما عرف تاريخياً.
وفي «شبه الدولة» تلك، وكابن بارٍ لـ»شبهيتها» فإن الرئيس السيسي مستمرٌ في نهج مبارك نفسه، من حيث الانحيازات الاجتماعية، ربما من دون إدراكٍ كاملٍ منه كآلةٍ مكملةٍ لمهمةٍ أطلقتها يدٌ أعلى، فهو يستكمل الإجهاز على المجال العام المصادر أساساً بالاعتقالات ومصادرة الحريات، وصرنا نرى لأول مرة في تاريخ مصر حكومةً تقوم بلم الصبية والشباب من على المقاهي مخافة أن تسول لهم أنفسهم التظاهر ضد النظام، ولأنه لا يفهم سوى في الحلول الغليظة، وقد قرت لديه قناعة يشارك فيها وسائل الأمن بأن ذلك القدر الضئيل من حرية التعبير التي سمح بها مبارك هي ما أدى إلى 25 يناير، فإنه أطلق القبضة الأمنية الشرسة المنتقمة، معتمداً على شرعية الإنجازات الوهمية في الأساس، وبذا فإنه يقضي على ما تبقى من مخايل دولة «شبه الدولة» بتكسيح مؤسسات متهالكة أصلاً، ولعل أفدح أخطائه، وما أكثرها، هو اقتحام مقر نقابة الصحافيين في سابقة تعدٍ لم يقدم عليها النظام بهذا الشكل السافر في أكثر عهوده جموحاً، الخلاصة أنه في ما تبقي من «شبه دولة» الرئيس السيسي انتهت السياسة ولم يبق سوى الأمن، لنأتي إلى أهم ما لا يدركه الرئيس، ألا وهو أنه مع تبدد الأوهام عن الإنجازات شحيحة الجدوى أو معدومتها، ومع التنازل المخزي المهين عن قطعةٍ من أرض البلد خيضت من أجلها حروب وسالت دماء شهداء، والتنازل المتخاذل لإثيوبيا في موضوع سد النهضة الكارثي، ومع برلمان مسخرة طبخ في أروقة جهاز المخابرات، واعتقالاتٍ وتصفياتٍ بالجملة، وشواهد صراعات أجنحة مصالح تكشف عنها تصريحات الرئيس المتوترة في خطاباته، فإن كل ذلك يقوض شرعية نظام «شبه الدولة « التي يقودها، ناهيك عن كونها مطعونا فيها من الأساس.
من ناحيةٍ أخرى، فإن المجتمع بدأ يشهد حراكاً حقيقياً في صورة معارك رد الفعل التي تخوضها قوى سياسية ناهضة وتجمعات مهنية، فعلى سبيل المثال هناك مظاهرات الاحتجاج على التنازل عن جزيرتي تـــــيران وصنافير وعموميات نقابتي الأطباء والصحافيين، والثابت أن بعض هذه الاحتجاجات الفئوية وإن بدت وبدأت محصورة في إطار نقابيـــيها الأضـــيق، فإنها تعد بكسر حالة العزلة والطابع المهني البحت، انطلاقاً إلى المجال الأوسع من العمل المشترك على أرضية الحقوق والحريات العامة، كما تشير إلى ذلك وفود التضامن مع نقابةٍ إلى احتجاجات الأخرى.
يوماً بعد آخر تتساقط الأوهام لدى الناس عن «شبه الدولة « و»الإصلاح»، فـ»الإصلاحية» وهمٌ آخر، بل هي وهم الأوهام، ليتضح لمن كان يخدع نفسه من الناس والعاملين في المجال العام مدى كذب أسطورة إمكانية إصلاح هذا النظام أو هذه الدولة، هي شيءٌ من التاريخ طال به العهد لعدم نضج البدائل، لكنه أولاً وأخيراً مسخٌ ميت،
لقد وصل الوضع بين النظام والقوى الجديدة المعبرة عن مطالب التغيير، المحاصرة المضروبة المسجونة المنفية، إلى طريقٍ مسدود، فقد بات جلياً أن النظام لن يقدم أي تنازلاتٍ وأنه مستمرٌ في مشروعه، لكن استمرار التدهور الاقتصادي والاجتماعي وتردي الخدمات والتفريط في الحقوق التاريخية مع تنامي القمع والعنف يحتمان صداماً طال الزمان أم قصر.

٭ كاتب مصري

«شبه الدولة» والطريق المسدود: غياب السياسة والحراك المجتمعي

د. يحيى مصطفى كامل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية