شحنة أخرى من العسل الأمريكي المستورد وصلت تونس مطلع هذا الشهر، لا عبر الموانئ والمطارات مثلما يحصل في العادة، بل في الحقائب الدبلوماسية لسيدتين جاءتا لحضور مؤتمر استثماري نظمته غرفة التجارة الأمريكية التونسية. السيدتان وهما مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية السابقة وبني برتزكار الوزيرة الحالية للتجارة، حضرتا جنبا إلى جنب لتقديم العينة الترويجية الأولى لدفعة العسل وعرضها بشكل حصري ومباشر على نخبة مختارة من الجمهور، جاوزت بالكاد الثلاثمئة شخص من عالمي المال والسياسة، وكان حظها وافرا في متابعة جلسات المؤتمر المغلقة والخاصة. وفيما فضلت الأولى، أي اولبرايت ان تبدأ كلماتها المعسولة بوصف تونس بـ»النجمة الساطعة»، وبأن ما حصل فيها هو من قبيل «المعجزة»، ثم تضيف بعد ذلك بأن «الديمقراطية يمكن تلخيصها في جملة واحدة وهي، أن الشعب يصوت ولكن يريد ان يأكل». فإن السيدة الثانية أي برتزكار رأت أن» تونس بلد محظوظ ويمكن ان يكون له مستقبل جيد اذا ما استطاع غرس ثقافة جديدة تقوم على التنوع بين العالم الغربي والعالم العربي، وبين أفريقيا واوروبا». الكلام المعسول للسيدتين سبقه ظهور تلفزيوني استثنائي للرئيس الأمريكي وهو يوجه ما وصف في الحين برسالة إلى التونسيين كانت تنز بدورها عسلا خالصا من الصنف المستورد ذاته.
ويبدو أن أوباما ومثلما يظهر في شريط الفيديو الذي تابعه الحضور على إحدى شاشات العرض، قد انتبه أخيرا، وبعد ان وصلت شحنة العسل إلى تونس، إلى ذلك البلد العربي الصغير والبعيد قد قايض البضاعة الأمريكية بأخرى نادرة ومفقودة على ما يبدو حتى داخل واشنطن نفسها وتسمى الأمل. لذلك سارع ساكن البيت الأبيض للقول بأن المنطقة «لا تزال تواجه تحديات غير عادية حتى يومنا هذا. ومن السهل ان نصاب بالاحباط في ظل هذا الكم من العنف والمعاناة، ولكن وضعية تونس تعطينا الأمل. هنا في تونس أنتم تتقدمون نحو انتقال ديمقراطي تاريخي، ولقد حققتم هذا الانتقال بروح من التوافق والتعاون الجماعي، لقد أنجزتم دستورا جديدا ونظمتم انتخابات حرة ونزيهة وشكلتم بنجاح حكومة شاملة…». إذن لقد اعطى التونسيون الامريكان الأمل المفقود الذي ظلوا يبحثون عنه طويلا، ودفعوا عنهم شرورالقلق والاكتئاب والاحباط، وها هم مقابل كل ذلك يطلبون منهم شيئا بسيطا ومحددا وهو مجرد الأكل لا غير، مثلما قالت أولبرايت. لكن هل هناك أحد من التونسيين يصدق بالفعل أن مثل تلك المقايضة قد حصلت، أو حتى يطمئن لإمكان ان تحدث أصلا في المستقبل؟
لا شك أن حالة الريبة والتوجس التي تطغى على نظرة معظم الناس إلى العروض الأمريكية لا يمكن أن تمحى بسرعة وسهولة، فلا يمكن التغافل مطلقاعن حقيقة صادمة ومرة، وهي أنهم، أي الامريكان، وعلى امتداد تاريخهم القصير لم يجلبوا سوى الدمار والخراب للبلدان التي حلوا بها وتورطوا في الدخول إليها، كما أن الروابط الاستعمارية القديمة والوثيقة مع فرنسا تجعل التطلع إلى ما وراء المحيط أمرا صعبا وشبه مستحيل من الناحية السياسية والاقتصادية على الأقل. لقد تعود حكام تونس على فرنسا واعتادت هي على بلد يعدل ساعاته على توقيت باريس دون غيرها. لكن ذلك لم يحل بالطبع من أن يقوم الرئيس الباجي قائد السبسي، الذي حضر جانبا من حفلة العسل الامريكي بواجب الضيافة، ويعرض بدوره عينة مختارة من العسل المحلي على ضيوفه الامريكان، في الجلسة الختامية للمؤتمر، إكراما لهم وتجسيما لدبلوماسية التبادل العسلي بين البلدين. فقد أشار في جزء من خطابه القصير إلى أنه «واجه عدة انتقادات بسبب قبوله مشاركة حركة النهضة في الحكومة الحالية»، قبل أن يضيف أنه على الرغم من ذلك فإن الوزير زياد العذاري الذي ينتمى للحركة ويشغل حقيبة العمل في الحكومة هو «من أفضل الوزراء» على حد وصفه، وان تونس تحتاج كل ابنائها، من دون إقصاء لأي جهة أو طرف مهما كان. أما ما لم يستطع، أو يرد السبسي قوله والبوح به أمام الحضور، حتى لا تكدر جلستهم العسلية ربما، فهو أن هناك تيارا قويا ونافذا داخل حزب النداء، الذي أسسه منذ اكثر من عامين من الان لإحداث «التوازن في المشهد السياسي، ظلت حركة النهضة تهيمن عليه بالكامل»، يرفض كل تقارب أو تحالف معها، وتحت أي مسمى، ولا يزال يعتبرها إلى الآن خصما وعدوا لا شريكا في الحكم.
ففي الوقت الذي كان فيه الرئيس يلقي كلمته العسلية الموجهة بالأساس إلى الضيوف الامريكان «المنبهرين بالتوافق التونسي بين الإسلاميين والعلمانيين»، كان وزير خارجيته في زيارة إلى جنيف لحضور جلسات مجلس حقوق الإنسان، ولم يفوت الفرصة للتصريح لصحيفة «لوتون» السويسرية، بأن فترة حكم الاسلاميين ضمن ائتلاف ثلاثي مع حزبيـــن علمانيين كانت «عصيـــبة»، وأن الترويكا عملت على وضع استراتيجية لتعويض الدولة بنظـــام سياسي ثيوقراطي وبخليفة، وهو ما اصطدم بمقـــاومة شرسة من المجتمع، ومن المرأة التونسية بالخصــــوص». قبل أن يضيف في التصريح ذاته أيضا أنه «شـــيئا فشيئا تمت تونستهم، أي الاسلاميين، فيما ظلت مراجعهم مشرقية ولا علاقة لها بالثقافة والخصوصيات الاجتماعية التونسية»، وأنه يتمنى أن تكون «مشاركتهم في الحكومة الجديدة فرصة لتعميق تلك التونسة». من نصدق إذن؟ الكلام العسلي للرئيس أمام الأمريكان أم الحربي لوزيره في سويسرا؟
لقد لاحقت تهمة ازدواجية الخطاب الاسلاميين باستمرار، ويبدو الآن أنها صارت واقعا مرا يعيشه خصومهم ولا يستطيعون التخفف من ثقله واعبائه بسهولة. لكن أخطر شيء في الموضوع هو ان يصبح «التوافق» التونسي الذي جلب الأمل إلى الامريكان، مثلما قال اوباما، مقبرة للأمل بالحاضر والمستقبل داخل تونس نفسها. فالشعور على انه لا اختلاف بينه وبين العسل الامريكي المستورد يجعله بضاعة حلوة المذاق، لكن غير مأمونة أو معروفة العواقب. ويبدو المشهد كاريكاتوريا إلى حد كبير من خلال التصريحات العديدة التي تؤكد وجود تلك المفارقة العجيبة وآخرها تصريح مساعد وزير الخارجية المصري السفير مخلص قطب إلى وكالة انباء الشرق الاوسط من أن «ضغوطا خارجية شديدة مورست على تونس وفرضت على الحزب الفائز في الانتخابات قبول مشاركة حزب النهضة في الحكومة الجديدة»، فها أننا صرنا نعترف أخيرا بأفضال للامريكان، وبأنهم اصبحوا يقودون بعضا من العرب إلى جنة الديمقراطية بالسلاسل، بعد أن ظلوا لعقود طويلة يباركون بقاءهم تحت أغلال التخلف والاستبداد. لكن ضغوط أمريكا وحتى شحنات عسلها الموسمية إلى تونس تبقى سرابا بعيدا لا يعني التونسيين في شيء. فهم يعيشون داخل متاهة كبرى مليئة بالتناقضات صار الخروج منها أشبه بالمهمة الانتحارية. يضربون عن العمل من جانب ويعطلون مرافق الإنتاج بالكامل وكأنهم يتلذذون بالتنكيل بانفسهم ثم يصيحون بقوة بعد خراب مالطا بانهم يتعففون عن طلب المساعدة الاجنبية المشروطة وانهم يرفضون ان يشترى البلد بالمال الاجنبي مثلما حصل منذ ايام تحت قبة البرلمان عند المصادقة على قرض جديد بثلاثمئة مليون يورو مقدم من الاتحاد الاوروبي بشروط مسبقة. ترتفع حالات الانتحار حتى في صفوف الأطفال لتصل العام الماضي، وفقا لتقرير المنتدى التونسي للحقوق الاجتماعية والاقتصادية، إلى ثماني عشرة حالة وتقفز ارقام الصادرات التونسية من المقاتلين في صفوف التنظيمات الدموية إلى اعلى المستويات لتصل عتبة الثلاثة آلاف مقاتل في «تنظيم الدولة» وحده. وتغرق مدن باكملها لمجرد سقوط الامطار بنسب زائدة عن العادة وتلغى حتى امتحانات المدارس نزولا عند ارادة نقابات التعليم ومطالبها في رفع الاجور. يحصل كل ذلك وغيره ولا يزال هناك من يتحدث عن وفاق ثم عن أمل يصل مداه اصقاع العالم البعيدة. فهل لفاقد الامل القدرة فعلا على تصديره؟
يقول المنطق ان الشعوب لا تتغير بين يوم وليلة بالشعارات، ويصعب ايضا على شحنة العسل الامريكي أن تنفــــخ الروح في جســـد ميت. لذا فان المقايضة الموهومة بين أمل تونس وعسل امريكا تظل، وحتى اشعار آخر، مجرد كـــذبة من اكاذيـــب الديمقراطية الكثيرة التي لا تجد في الغالب جمهورا واسعا يصدقها حتى داخل قاعة المؤتمر الاستثماري الامريكي نفسه. فمعظم الناس يعتقدون اليوم بأنهم لم ينالوا بعد لا بلح الشام ولا عنب اليمن ولا حتى عسل امريكا، الذي جلبته السيدتان في المؤتمر الاستثماري الاخير، واصابه الكساد بمجرد انفضاض الاجتماع ومغادرة الضيوف.
٭ كاتب وصحافي من تونس
نزار بولحية