ثمّة توجه عام لدى العرب السُنّة لتعويم خطاب «وطني» بعيد عن التخندق الطائفي من خلال توجيهات تبنتها كيانات وجهات دينية وسياسية سُنيّة، مثل الوقف السُنيّ الذي أصدر إعماماً لخطباء المساجد لحثّ الناس في مجتمعاتهم على المشاركة في الانتخابات باعتبارها «واجباً شرعياً» واختيار شخصيات وقوائم محددة لمن «صنع النصر وحرر الأرض» في إشارة فسّرها مراقبون بالدعوة لانتخاب قائمة «النصر» التي يرأسها رئيس الوزراء حيدر العبادي.
لمْ يتمْ تشكيل تحالفات وكتل سياسية للعرب السُنّة ببرنامجٍ مختلف عن الدورة الانتخابية السابقة، أو تجديد في الشخصيات القيادية فيها، والتي لاقت الكثير من الانتقادات لأدائها المتدني الذي لمْ يستجب للمتغيرات والحاجات التي استجدت والمطلوب تلبيتها لأبناء المجتمع السُنيّ بعد أحداث الموصل 2014 وما نتج عنها من خراب ودمار في البُنى التحتية في المحافظات السُنيّة، وحملات الاعتقالات التي طالت عشرات الآلاف منهم ومعاناة مئات الآلاف في مخيمات النزوح.
كلّ ذلك وغيره، أدى إلى عزوف بعض الشخصيات العربية السُنيّة عن الدخول في قوائم العرب السُنّة مثل قائمتي «تحالف القرار العراقي» التي يقودها أسامة النجيفي، والقائمة الوطنية، وهي قائمة سُنيّة يقودها إياد علاوي، وهو شيعي علماني، إلى جانب قوائم صغيرة نسبياً مثل تحالف بغداد وديالى التحدي وصلاح الدين أولاً والأنبار هويتنا وغيرها.
النمط السائد في تشكيل التحالفات في الدورات الانتخابية السابقة، غاب عن مشهد الانتخابات الحالية بعد ثبوت فشل الأحزاب والكيانات العربية السُنيّة في الترشح ضمن قائمة واحدة كبيرة أو قائمتين على الأكثر، القائمة العراقية وجبهة التوافق في دورات انتخابية سابقة.
في المرحلة التحضيرية للانتخابات الحالية، أفرزت الكتل والكيانات الشيعية ائتلافات وتحالفات متعددة أبرزها تحالف «نصر العراق» الذي يقوده رئيس الوزراء حيدر العبادي لاستثمار «النصر» الذي تحقق على تنظيم «الدولة» وائتلاف «دولة القانون» بقيادة نوري المالكي الذي يحاول العودة إلى صدارة المشهد السياسي منذ تخليه عن المطالبة بولاية رئاسية ثالثة في أعقاب الانتقادات التي وجهت له على خلفية «انهيار» القوات الأمنية في الموصل أمام مقاتلي تنظيم «الدولة» في حزيران/يونيو 2014.
تحاول الكثير من الأحزاب والكيانات والشخصيات الدينية السُنيّة والشيعية على حدٍ سواء إعادة إنتاج نفسها كقوى وطنية بعيدة عن الطائفية متناسية تورطها في أعمال العنف الطائفي التي شهدتها العاصمة ومدن أخرى خلال عامي 2006 و2008 واستمرار مثل هذه الأعمال على خلفيات طائفية في الدورة الرئاسية الثانية لرئيس الوزراء السابق نوري المالكي بين عامي 2010 و2014 ومن ثم ظهور الحشد الشعبي وارتكابه المزيد من الانتهاكات التي ترقى إلى جرائم الحرب وفق إدانات منظمات دولية معنية بحقوق الإنسان.
وعلى الرغم من قلة عدد الشخصيات العربية السُنيّة التي قررت الدخول في الانتخابات كمرشحين ضمن قوائم شيعية، لكنه توجه يلقى اعتراضات وتحفظات من سياسيين شيعة يعتقدون أن قبول الكتل والكيانات الشيعية لمرشحين سُنّة ستؤثر مستقبلاً في حال فوزهم بمقاعد برلمانية على الأغلبية المريحة لأيّ تحالفٍ شيعي سيقود الحكومة بعد الانتخابات، لكنّ هذا الرأي يُجانبه الصواب لقلّة عدد المرشحين العرب السُنّة في القوائم الشيعية واحتمالات فوز بعضهم وليس جميعهم، كما أنّ نتائج الانتخابات قد تُجبر أيّ كتلة شيعية على التحالف مع كتلٍ أخرى لتشكيل تحالف واسع يؤهلّه لتسمية رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة.
لكنّ أوساطا شيعية أخرى ترى، أنّ مثل هذا التداخل السُنيّ الشيعي في القوائم الانتخابية الشيعية سيُشكل خطوةً متقدمةً في طريق السعي للقضاء على المحاصصة السياسية التي يشكل الانتماء العرقي أو الطائفي عنوانها الأكبر منذُ غزو العراق واحتلاله عام 2003.
كما أنّ خطوة كهذه يمكن أن تشجع على تبني خيار الأغلبية السياسية في إطار وطني جامع وليس ضمن الأطر التي تنادي بها كيانات سياسية شيعية متغلِّبة تعتقد أنّ الأغلبية السياسية ستتيح لها الفرصة لمزيد من الهيمنة الشيعية على مقدرات البلد وقراره استناداً إلى منهج مثل تلك الكيانات المعروف بطائفيته ومحاولة إقصاء المكونات الأخرى وتهميشها.
وتقود شخصيات سياسية سُنيّة تحالفات شيعية في المحافظات السُنيّة، مثل وزير الدفاع المقال خالد العبيدي، وهو من أبناء مدينة الموصل ويقود ائتلاف النصر في محافظة نينوى، وعمار اليوسف القيادي في الحزب الإسلامي العراقي رئيس مجلس محافظة صلاح الدين سابقا، ويقود ائتلاف النصر في محافظة صلاح الدين.
وتحوز قائمة «النصر» التي يقودها رئيس الوزراء حيدر العبادي على القبول الأوسع من المرشحين عن المحافظات السُنيّة، إلى جانب قائمة «الفتح» التي يقودها القيادي في الحشد الشعبي هادي العامري.
لا تدل مسألة دخول مرشحين من العرب السُنّة في قوائم شيعية بشكلٍ قاطع على انفراد المشهد السياسي للعرب السُنّة بالتشظي والانقسام، وهو أمرٌ واقع يشمل أيضاً المكون الشيعي الذي دخل الانتخابات بدوراتها السابقة ضمن تحالفٍ واحد كبير، وكتل صغيرة إلى جانبه، انقسم في هذه الانتخابات إلى عدد من الكيانات، كما هو الحال أيضاً في المكون الكردي.
ويُراهن قادة التحالفات الشيعية على الفوز بمقاعد إضافية في المناطق السُنيّة خلافاً لدورات انتخابية سابقة بعد الخراب واسع النطاق في المدن والمناطق السُنيّة وزيادة المعاناة الاجتماعية جراء وجود نحو مليوني نازح لا زالوا خارج مناطقهم بسبب معوقات أمنية تضعها القوات الأمنية والحشد الشعبي الذي لا يزال يتحكم بالملف الأمني في المدن السُنيّة المحررة وعجز السياسيون العرب السُنّة عن تقديم ما يكفي لوضع حلول عملية لمشاكل المحافظات السُنيّة.
إنّ بناء تحالفات على أسس الانتماء الطائفي سوف لنْ تساهم في رفع الشعور بالظلم وإعادة بناء الثقة بين الحكومة المركزية والمجتمع، كما إنّ التجحفل الشيعي في كياناتٍ سياسيةٍ تستمدُ قوتها من خطابٍ طائفي تغذيه مرجعيات دينية وميليشيات مرتبطة بالخارج لا يمكن مواجهته إلاّ بتشكيل تحالفات عابرة للطائفية تضمّ تمثيلا حقيقيا لكلّ المكونات بقيادات جديدة، لا من خلال مشاركة شخصيات هي أصلاً جزء من منظومة العمل السياسي واثبتوا إما انسياقهم إلى مساراتها غير الصائبة، أو عجزهم عن التغيير؛ وفي كلتا الحالتين لا يمكن التعويل عليهم في العمل الفاعل لإجراء إصلاح حقيقي في بُنية العملية السياسية وإعادة بنائها على أساس المواطنة لا على أساس الانتماء الطائفي أو العرقي.
رائد الحامد