شخوص ياسر الصافي… براءة تواجه الحرب باللّعب والألوان الحّارة

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: افتتح الفنان السوري ياسر الصافي المقيم في لبنان كبلد لجوء، معرضه الفردي السابع في غاليري «مارك هاشم»- بيروت، مقدّماً ستة عشر عملاً تصويرياً أنجزَ بتقنيّة أكلريك/ كانفص، باستثناء اثنين أنجزهما بتقنيّة الحفر على المعدن.
الصافي ابن الجزيرة السورية (تولّد القامشلي 1976) تخرّج من كليّة الفنون الجميلة في جامعة دمشق قسم الحفر والطباعة عام (1997)، ولم يزل وفيّاً لاختصاصه الذي نال شهادة الدبلوم فيه عام (1999) في الجامعة ذاتها كتقنيّة وكُمنجَزٍ فني.
يأتي المعرض ثاني حضورٍ فني للصافي في بيروت، إذ سبق له أن حضرت أعماله في معرض مشترك قبل أربع سنوات (2011) في الغاليري ذاته، لكن متغيّرات عدّة طرأت على لوحة الصافي خلال سني عمله، التي قضّى شطرها الأوّل في التدريس، فعمل في كليّة الفنون الجميلة، ومعهد «أدهم اسماعيل» للفنون في دمشق، خلال السنوات (1999-2005)، وبعدها مُشرفاً على قسم الحفر في معهد الشارقة للفنون في الإمارات العربية المتحدة لثلاث سنوات (2006-2009).
تسود لوحات ياسر الصافي، في مرحلة ما قبل بيروت/ المهجر، خلفيتان هما الأسود والأبيض مع بعض التنويعات القليلة للأخضر المُغمق، الأحمر القاني، والبني التُرابي. تملؤها شخوص تشبه رسوم الأطفال بملامح تعكس غضباً أو ثقلاً كامناً في اللوحة ذاتها.
اليوم، لوحات الصافي- التي أنجز مُعظمها في مهجرِهِ- لم تتخلَ عن براءة الطفل الحاضرة في كلّ لوحة، ربما تكون الطفولة ملمحا حاضرا بشكلٍ أو بآخر منذ باكورة أعماله، كانعكاسٍ لحجومها الصغيرة، لكن وحشةً سَكنتها في الماضي. اليوم تظهر هذه الطفولة بوضوح في حضور الشخوص المرتاحة ضمن إطار تكوين اللوحة، وتوزّع المساحات فيها، وليست حبيسة هذا الإطار. إذ- في الغالب- تختال كلّ لوحة بشخٍص وشيء، على العكس من أعماله السابقة التي شهد بعضها حضوراً كثيفاً لهياكل أجسادٍ ورؤوس، وتُستثنى من هذا التعميم لوحة لمجموعة أطفال كانت بروشور المعرض وعنوانها «عسكرة الأفكار»، في هذه اللوحة، كما باقي لوحات المعرض التصويرية الأربع عشرة، استعان الصافي بإكسسوار ما شكّل حضوره في اللوحة مفتاح قراءة وتلقٍ أساسيّ للعمل، فهنا ارتدى الأطفال قبعة يعرفها السوريون جيداً هي القبعة العسكرية التي أجبروا على ارتدائها كأجيالٍ متعاقبة في حكم الدولة العسكري، في لوحة أخرى استقى الصافي عنواناً للوحته من حضور الكرة وعارضة مرمى كرة القدم، ولا يعني هذا حرفيّة القراءة.
يهتم الصافي بهذا ويقول لـ«القدس العربي» تعليقاً على الملمح العسكري في لوحة «عامل»: «لا أشجّع القراءة الحرفيّة لكل إشارة فنيّة، فأنا أرسم بتصرّف، ربما يكون هناك ملمح ما، لكنني لا أفضّل المباشرة». بين لوحات الصافي قبل المهجر وبعدها مسافة في الزمن نضج فيها أسلوبه، وكأنّ شخوصه كبرت من دون أن تتخلى عن طفولتها، إلاّ أنّ الحرب التي ينحو الكثيرون لتصوير وحشيتها، وكيف تشوه الناجين الشاهدين عليها، يقترح الصافي في معرضه الجديد مقاومتها باللون الصادم، الوّهاج، بفرحٍ طفوليّ يتشبثُّ بالحياة لمقاومة الموت أكثر منه للحياة نفسها، فالطفل الذي ثبّته الصافي يلعب لا يبدو أنّه يلعب بقدر ما يحتفي معنا بفعل «اللعب» نفسه.
الجمود والحركة مفتاحان يعزف عليهما الصافي كونشيرتو لوحته، هذه اللوحة التي تكتسب اليوم حركتها من اللون فيها، ومن تناغم حضور الأشياء، في حين جمدت الشخوص أمام الكاميرا الوهميّة لحظة تصويرها من قبل الصافي. وربما هي جامدة في انتظار الموت المقبل، حتى أنّنا في بعض الأحيان نفتقد ذاك الخيط بين الحياة والموت، فهل الطفل يلعب بالرأس المقطوع؟ أم يتوهّمه أم هو مثله ميتٌ؟
يقول الصافي إنّ عمله تجريبٌ مستمر، وربما الثابت فيه هو موقفه من رفض العنف، فالمعرض الذي طغت على عناوين أعماله ظلال الحرب (العسكرة- مخيم – كل يوم..) تعدّد فيه كذلك حضور البرميل المُستخدم في الحرب السورية لقتل آلاف الأشخاص، لكن الصافي اليوم عنيف في ألوانه، في قوتها وضوئها، يرتاح من ثقل المباشرة الفجّة، ليدخلنا في متاهة من الأفكار العنيفة، فمن يلعب بالحرب؟ هل نلعب بها كما يلعب الأطفال في سوريا ببقايا صاروخ أو حتى بقذيفة لم تنفجر، أم هي تلعب بنا ننجو اليوم لنموت غداً؟ّ هل الألوان التي تأخذنا للوهلة الأولى بفرحٍ طفولي لشخوص صغار يملأون الجدران بملامح وجوه لينة، مرنة، هي سبيلنا إلى لوحة ترفض العنف وتحتفي بهذه الطفولة، أم هي تحتفي بالموت كما في لوحة «الرجل والأرنب»؟ وهل يد الأطفال الممدوة في التحيّة العسكرية ممدودة إلى السماء أم هي مسدس مصوّب إلى الآخر؟
عن هذا المعرض المفتوح للجمهور حتى نهاية الشهر كتب الفنان السوري يوسف عبد لكي: «مثلما تُطلَق النار اليوم على البشر والأطفال والبراءة والمستقبل، فإن لوحة صافي تُطلِق بدورها النار على الإتقان، والرهافة، واللون المضيء، والخط الرصين… وتمضي بعيداً في التعبير المنفلت من المقاييس».

يارا بدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية