في طبعة جميلة، وبغلاف يحمل لوحة من لوحات الفنان كاندينسكي، صدرت مجموعة قصصية جديدة للقاص المغربي عبد الرحيم التدلاوي مؤخرا، وجاءت تحت عنوان «صدى السراب» حاملة سبع وعشرين قصة مشوقة، وهي: بطولة، سجل، انجراف، اتبعني، قاتلتي، معبر، رفع القبعة، مناوشات أو بندول، لسعات، أقفاص، حالة .. اقصوصة، قفة، حكاية معتوه، عبور، فتاة رأد، ضربة، ضربة ثانية، صف، لكمات وكلمات، أمطار، مشروب، صورة ثانية ـ مشروب، تمثال، خروج أم خراج، استمتاع، فراغ، مدير.
المجموعة القصصية مفعمة بالأحداث المتنوعة تنوع مجريات المجتمع اليومية: أحلام، مصادمات، خزي، فرح، فشل، حب، حرمان، اشتياق …
هذا التنوع الذي استدعى تنوعا في الفضاءات، وفي الشخصيات والأحداث جعل المجموعة تأسر القارئ إليها، تسيح به في بحر من التأملات والتساؤلات، والأحداث الحاملة لقليل من الفرح وكثير من الألم، ويتأتى ذلك من نهايات جل القصص الواردة في المجموعة.وسنركز في هذه القراءة المختصرة على الشخصيات بآمالها المبتورة وأحلامها التي تعرقلها مصدات وعقبات فلا تتحقق، وأعتقد أن الكاتب نجح ـ إلى حد كبير ـ في جعل القارئ يتعاطف مع هذه الشخصيات وهي تروم تحقيق ذاتها ووجودها المرتبط بتحقيق مبتغاها.
والحال أن المطَّرد في المجموعة يتعلق بطموحات متنوعة تصطدم بحائط المنع والاستباحة بهذه الوسيلة أو تلك. وقد تمكن الكاتب من شحنها بمواقفه إزاء المعيش، وما يراه ينبغي أن يسود من قيم إنسانية نبيلة، وذلك عبر استدعاء حالات نفسية واجتماعية يمليها الواقع بين الفينة والأخرى في علاقة بالمركون في الذاكرة من الحلو والمر. وفي كل قصة نجد هذا الباب المسدود أمام الشخصية وهي تريد أن تحقق مرادا من مراداتها الضرورية لا غير، وغالبا ما يكون هذا النكوص والانهزام في نهاية القصص، ليترك القارئيتألم بتألم الشخصية باعتبارها تمثل في مواقفها وتصرفاتها بعضا مما يشعر به.
يقول في قصة «بطولة» ص 13:»ها انا اليوم شخت، أتكئ على عصايا أنكش الأرض بحثا عن درري الضائعة، عساني أعيد إلى فمي ابتسامته المفقودة … خلفي يقف الأطفال مستهزئين، أحاول صرفهم بعصاي دون جدوى». فهو قضى حياته بكل مراحلها العمرية ولم يحقق أي شيء، وها هو وقد بلغ من الكبر عتيا يتكئ على عصاه مواصلا طريق البحث عن المفقود.
أما هذه الفتاة الصغيرة الحالمة الجميلة فإنها لم تحقق أي شيء من الأحلام التي كانت تراودها، ولم تظفر سوى بحزن وخيبة أمل مريرة تتمنى لو تنمحي من ذاكرتها لتعيش لحظة هدوء وسكينة. يقول الكاتب في آخر قصة «انجراف»يمتد الألم من ظهرها، ويتغلغل في ثنايا روحها .. كم تمنت حينها غيبوبة تنسيها حزنها …تراءى لها الكبار بآذان طويلة ..تضحك ملء قلبها…فيتصدع الفصل فرحا…» ص 21.
إنها النهايات المطعمة بالألم والحزن وانتظار المجهول بما سيحمله من حلول قد تتحقق وقد لا تتحقق، يقول في قصة «اتبعني»التي تصور الرجل المخيف الذي يمثل الموت ـ ربما ـ «كان يحمل تحت إبطه خرقة بيضاء، لم أنتبه لها إلا بعد أن خطوت معه بضع خطوات. مطوية بعناية، نظيفة وناصعة، لا شية فيها، تسر الناظرين.
قلت له: ما هاته ؟
نظر إلي بعينين صارمتين، ولم ينبس بجواب. لما رأى إصراري، قال لي: هي لباسك الأخير.
لم أكن نائما لأستيقظ، لم أكن أحلم لأقول كابوسا، كنت مستيقظا تمام الاستيقاظ، واعيا كل الوعي، فارتجفت، سرى في نفسي الخوف. وتذكرت أشياء، فقررت التراجع.
قلت له: أ مهلني..
قال: لا وقت لدي. مشاغليكثيرة، والنداءات عديدة، ولست وحدك في هذا العالم. وأعقب، اتبعني. حادة وصارمة.
وجدتني أعاند، أقاوم، ولأن إرادتي لم تكن من حديد، فقد رأيتني خرقة بيضاء». ص 23.
والفشل الذريع نفسه سيواجهه بطل قصة «مناوشات أو بندول» حيث نقرأ في نهايتها «وأنا في وضع القرفصاء، رأيت طيفها، من خلف شقوق الباب الخشبي المهترئ، يبتعد عني ..أردت اللحاق بها، غير أن السيل الممزوج بالغازات والمتدفق تحتي، كان يشدني بقوة إلى ثقب المرحاض. هاتفتها مرارا، فلم أكن يصلني منها سوى رنين المنبه اللعين، أتبعتها بسيل من الرسائل، لافائدة». ص 34.
ويبدو أن الخيبة حليفة أبطال قصص الكاتب فحتى وهم يحققون بعضا من متمنياتهم نجدهم يسقطون في الهم والشك من جديد، كما في نهاية قصة «لسعات» ص 35، حيث نجد أن البطلحتى وهو ينتصر على الأعداء بعد قتله أحدهم تضحية من أجل حبيبته، لاح له المشتبه به شبيها له، مما جعله يفكر فيه، فقد يكون أخاه التوأم، مما سيقحمه لينخرط في خضم من التساؤلات بعيدا عن فرحة الانتصار وشجاعة أخذ الثأر.
في كثير من القصص نجد هذا التهميش للبطل بعد أن يكاد يشعر بنشوة الصدارة والبطولة والاهتمام، ليُفاجَأ بلسعات الإبعاد والإقصاء. وللمهمشين الملفوظين حيز معتبر في المجموعة القصصية. في قصة «رفع القبعة» نجد مثالا لهذا المنحى.يقول الكاتب بضمير المتكلم «بقيت حائرا أقلب نظري، وقد ظهرت لي المقهى خاوية على عروشها، لأجدها في أقصى المقهى صحبة شاب وسيم وقد انخرطا في حديث حميمي. تحيط بهما غلالة ضوء كما لو كانت تمنع الفضول عنهما وتحمي سريتهما، وتحرسهما من أذى العيون..
بقيت أتابع المشهد بعينين فارغتين ووجه بارد، متسمرا في مكاني للحظات، جامدا كمن صب عليه سطل ماء بارد.. بعدها أحسست بتيار الهواء القادممن الشارع يلسع ظهري…»ص 31.
وفي قصة «فتاة رأد» ص 48، لم يحقق الرجل أمنيته، ولم ينل وطره من فتاة جميلة وهو المسن الذي تمنى وصالها، وبين التفكير في ذلك والتفكير في بنته التي في سنه، يصير أبا حانيا عليها حاميا لها من البرد والمطر». وحين تكلم الرعد وأبرق، رأيت كم الهلع الذي تلبسها، فارتمت علي محمية داسَّةً رأسها في صدري ..
وجدتني ألفها بذراعي وأربت على شعرها كأب حان» ص 52.
وفي نهاية قصة «قفة» يقول «تلقي الشرطة القبض عليه، تريد أن تلصق به تهمة المعارضة، لكنها تعدل عن ذلك، فالرجل لا انتماء سياسيا له، تريد أن تتهمه بالتحريض على الإخلال بالأمن العام، لكنها تتراجع، فالرجل لايحمل لافتات مهيجة، تريد أن .. لكن الرجل ..تقرر، بعد تأمل، وطول نظر، القيام بخطوة لا ضرر فيها ولا انبعاث: تحقنه بسائل يطير النوم من عينيه، ويجعل قفته فارغة». ص 43.
هكذا نجد حتى المهمشين من أمثال هذا الفقير الذي لا ذنب له، ولا تهمة في حقه، يفشل في مواصلة حياته وحيدا يعتز بما في قفته التي لن تحمل سوى القليل من الطعام يحفظه من شبح الموت.
لن أعرض كل النهايات والفقرات التي تؤشر على الهزائم اللاحقة بأبطال جل القصص إن لم نقل كلها … فالشخصيات هاهنا تبدأ حياتها طموحة، تشق طريقها لتحقيق ما تراه سهل التحقيق لكنها تفاجَأُ بما يعكر صفو حياتها لتعيش تذمرها من جديد.
وأعتقد أن سر نجاح الكاتب في مجموعته يكمن في اتخاده شخصية مركزية تبنى عليها التوصيفات والأحداث بشكل فني رائق يغني الأفعال، وتطور الحدث بشكل جميل يفضي إلى الوقوف على مواقف جديرة بالتأمل وإعادة النظر.فالكاتب بارع في تصوير الشخصيات بأبعادها النفسية والاجتماعية والجسدية دون الإخلال بمسايرة الحدث بالشكل الذي لا يؤثر على تشويقيتهوانسيابيته الجاذبة، فمحدداته للشخصيات محددات مقنعة رغم كونه أحيانا ـ وفي نصوص محدودة ـيسهب أكثر التوصيفات التي تفرض نفسها علينا في الرواية لا في القصة القصيرة. إذ في هذه الأخيرة ينبغي الاهتمام والارتكاز أكثر على دواخل الشخصية من التفاصيل الظاهرة.
وفي المجموعة نفترض كون الشخصية حاملا أمينا لردود أفعال الكاتب ومواقفه ومشاعره إزاء ما يجري أمام عينيه، وكأنها بعض من كيانه وتفكيره ومعتقده، وفلسفته في الحياة. وفي كل ذلك، نجده ينزع إلى التوغل في ثنايا الطبائع البشرية بكل ما تستبطنه من ميولات واهتمامات ومشاكل. والقارئ للمجموعة يلاحظ هذا المزج بين ما يظهر على واقعيته، وما هو منسوج من محض خياله الواسع. الأمر الذي ساعده في الأخذ باهتمام القارئ ليجعل منه عنصرا منخرطا في معطيات قلب ما أعده من مشاهد حية. وقد نجح إلى حد كبير في التمكن من الانتقال بين الأحداث بكيفية تبعده عن التصنع ليحدد مصائر شخصياته في تبايناتها وتناقضاتها الصارخة في علاقتها بمسراتها ومضراتها، بآمالها ونكوصاتها.
تقدم قصص عبد الرحيم شخصياتها بآفاق مسدودة بمتاريس الفقر والفاقة والظلم أحيانا بعيدا عن الحلول البديلة بعد استنفاد كل الحيل، قصص تعكس مثبطات واقع مزر مؤلم يحتاج إلى تغيير، هذه الحاجة الضرورية هي ما تتركه كل قصة بعد الانتهاء من قراءتها…يقدم الرجل محروما حتى من أدنى الضروريات، يقدم المرأة في كثير من قصصه فريسة يتنافس الذكور لإغوائها ولإرواء عطشهم من عطاءات جسدها… وكأنه بذلك يقدم نقدا اجتماعيا يعم كلا الجنسين في علاقتهما بالمهانة والاستغلال البغيض.
ولذا جاءت كل شخصيات القصة موصولة الأفعال والمواقف بالواقع وما يكتنفه من صراعات من أجل تحقيق ما تطمح إليه…وعموما، ففي كل القصص نجد الكاتب يرسم أجواء مغرية ومؤلمة في الوقت ذاته والمتحكم فيها هو امتلاك المال والجاه والقوة مما يجعل هذه القصص تضع الإصبع لتجلية الطبقية والمفارقات القيمية، لتصير الشخصيات بذلك منفتحة على تجربة الكاتب باعتباره محركها ومحملها بالأفعال وكل ما يصدر منها من حوارات وآراء.
كاتب مغربي
لحسن ملـواني