شذرات الذهب في الحب والمحب

حجم الخط
0

■ للشاعر شاكر لعيبي سمة لافتة في تقديم أعمال بحثية فيها الكثير من العناء الجمالي والبحث المعرفي والتميّز الفني، فبالإضافة الى كونه أحد أبرز الأسماء الشعرية في جيل السبعينيات الشعري، فإنه لا يفتأ أن يقدم بين فينة وأخرى عملاً بحثياً نادراً ومشوّقاً ومقروءاً، ينضاف الى جهده الشعري والترجمي والنقدي.
جديده هذه المرة هو «أنطولوجيا الحب» الذي نقله عن الفرنسية. وهو كتاب ممتع ونادر وثمين في محتواه ومسوّغاته وخطوطه وأنسقته الجمالية، تلك التي تهتم بموضوعة الحب والعشق والتوله والمناداة صوب الآخر.
يتكئ هذا الكتاب، وهو كتاب ضخم في عديد صفحاته، على بناء الجُزيئة التعبيرية، أو ما بات يعرف بالشذرة، فنحن هنا أمام فلذات نصية، تتشذر في صغرها ولكنها لشدة صغرها تحمل معناها الكبير، ذلك المعنى المترامي المغزى والقصد، في تقديم المساق الرؤيوي للنص وللمجتزأ من فكرة فلسفية، قالها في يوم ما كاتب أو مفكر أو شاعر وفنان ومؤرخ وفيلسوف.فكرة صغيرة الحجم لكن قلبها كبير ومتسع بما يحمله محتواها من وعي وإحساس وقوة تعبير، يتيح لهذه المقولة أن تتأبد لتكون شبه أزلية، دائمة، لا يضيرها أن مرّت عليها السنون، وتزاحمت حولها الأيام، فهي كلمة وافية، قيلت في زمان ما، وفي مكان معيّن، وقالها أحدهم، أحد أولئك الذين كانت نار الإبداع تسري في جوفهم وشرايينهم، لذا قال حكمته تلك، وخبرته وتجربته التي صهرها، لتكون مختصرة، ومكثفة، ومتقشفة في بنيانها، كيما تظلّ، على مدار الزمن تدور من فم لفم، ومن سمع لآخر دون أن تَبلى.
من هنا سنكون معاً أمام معنى الكلمة، لنرى كيف سيغدو وامضاً في حروفها، حيث فنّ التشفير الذي يُعطي الدلالة، ويَهَب التصوّر السيميائي الى القارئ، ليستخلص السحر من السياق الدلالي للنص، كتعبير وليم شكسبير في كلماته الخالدة « أكون أو لا أكون تلك هي المسألة « أو « أسمع جعجعة ولا أرى طحنا «، وكذلك معاني المتنبي الكبيرة مثل « تجري الرياح بما لا تشتهي السفن « أو « على قدر أهل العزم تأتي العزائم».
في كتاب «أنطولوجيا الحب» سنعثر على الكثير من المعاني، الموحية والملغزة، والضافية، فالكتاب ينقسم الى أبواب دون أن يُصنِّف المؤلف ذلك، لكنه تركه للقارئ، وللمتتبع المرهف أن يكتشف السياق وتبويبه بنفسه، دون إشارة ولفت انتباه الى باب ما من الأبواب التي سوف آتي على بعضها، وأوضح معاني البعض الآخر.
فعلى سبيل المثال في باب الحميمي، نعثر على هذه الأصص، ذات النفحة المحمولة على الجاذبية : «الشكوك هي الأمر الأكثر حميمية فينا «البير كامو».
الحميمية الحقيقية هي التي تسمح بأن نحلم، جنباً الى جنبٍ ، أحلاماً مختلفة «جاك سلوميه».
لا شيء أكثر حميمية وامتلاءً من صمت متقاسم لينا لاندير.
أما في باب القبلة فنجد هذه البتلات الفواحة بالتماس مع الآخر :
« القبلة هي الوسيلة المضمونة للصمت ونحن نقول كلّ شيء» عاموبارسان.
«الكون مُعَلَّقٌ بقبلة ، الكون مُتَعلق بقبلة» زالمان شنيور.
« القبلة فاكهة يتوجّب قطفها من الشجرة « مثل فرنسي.
«تتذكر النساء القبلة الأولى بعد وقت طويل، بينما يكون الرجال قد نسوا قبلتهم الأخيرة» ريمي دو كورمون.
بينما نقرأ في باب الإخلاص : «يتحقق الإخلاص الزوجي عندما يكون الحب أقوى من الغريزة» بول كارفيل.
«الإخلاص الزوجي لا يبرهن على نفسه فعلياً، الا في تحدّي الغياب» غابرييل مارسيل.
وفي باب الغيرة التي حيّرت الشعراء والكتاب والمفكرين بدءاً بشكسبير وانتهاءً بأبسط قصة حب حالية نقرأ : «من الحب تولد الغيرة، لكن من الغيرة يمــوت الحب «كريستين ملكة السويد.
الغيرة تولد الشر، الغيرة هي الشرّ» أغاثا كريستي.
« الغيرة هـــي المستــبد في مملكة الحب « سرفانتس.
وعلى هذا المنوال من التداعيات الحِكَمية يسير الكتاب في مساق جمالي يأخذنا لغابات من الفتنة في القول، وحدائق أفكار، نتجول بين لذاذتها، مكتشفين من خلالها أنفسنا وذواتنا، كيف تكون في هذه المحطات التي يتوقف فيها المفكرون، والشعراء في تخليد مقولاتهم، وتأبيدها لتنال ما يُمرِّره الخلود عليها من مسحة أزلية، وتجعلنا نتوقف أمام تفكير هؤلاء العظماء، من الفلاسفة والفنانين، وكيف يفكرون وهم يسطرون في زمانهم تلك الرؤى الدهرية، لتظل منيرة ، جوالة بيننا، لا يَمسّها البلى والتدهور والتلف التعبيري، وها هو نيتشة يقول في العاطفة :» التنازل عن عاطفة أسهل من السيطرة عليها «،
وكقول بلزاك الروائي الكبير : الحب هو العاطفة الوحيدة التي لا تعاني من الماضي ولا من المستقبل «، أو كقول فيكتور هوغو الشاعر والروائي الفرنسي العظيم «جميع عواطفنا تعكس النجوم».
أما سارتر فيلسوف الوجودية وكعادته ووفق تشاؤمه السيميتري، فالعاطفة كما يراها « الإنسان عاطفة عديمة الجدوى».
أما أجمل قول في العاطـــفة فأراه فـــي هــذه الشــذرة النورانية لفينيلون « العاطفة هي روح الكلام».
حقاً جمع هذا الكتاب الصادر عن دار « طوى « في تشظياته المستنيرة هذه روح الكلام لأجمل كتاب العالم، وقدّمها في رحلة عذبة، دارت بنا حول مفهوم النظرة أيضاً ومفاهيم أخرى مثل « الكراهية» و«الخيانة « و«المشاعر» و «الغواية « وغيرها من المفاهيم البنيوية التي تتعلق بالأعماق الإنسانية ودواخلها وهمومها الفلسفية على نحو عام.

٭ شاعر عراقي

شذرات الذهب في الحب والمحب
«أنطولوجيا الحب» لشاكر لعيبي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية