«شذرات منتصف الحلم» للشاعر المغربي أيوب مليجي: قلق الكتابة ولذّة الفوز ببنائها

حجم الخط
0

 

تجتاح الكتابة الشعرية العربية المعاصرة أشكال وقوالب وأنماط، وطرق وسبل في مقايسة طبيعة الشعرية، وإتيانها من دون اتكاء واعتماد على الرائج، الذائع، المتداول، الموطؤ، والذي شبع مقاربات ومناولات وقراءات نقدية شتى.
فالاجتياح الذي نعنيه ليس من باب الجائحة، ولا اللعب المجاني، ولا البهلوانية الخادعة، ولا الخفة الطائرة التي ترتطم بأسرع ما يكون بأول هبة ريح بل نسمة ناعمة مباغتة. إنه الاجتياح المقيس على غير قياس سوى المرجعية القرائية الفردية المعتمدة، والمصدر التنخيلي والانتقائي الذي يتوجه إليه الذوق، والاختيار، وتقود نحوه – أحيانا كثيرا – صدف وطوارئ غير منتظرة وغير محسوبة. إذ لكلّ مرجعيته، ولكلٍّ مصادره، وموقفه من الحياة والناس والكون، وله رؤيته الحسية، والحدسية، والعقلية التي توصله إلى مراقٍ سامية تكون في أغلبها – خلاصات الجهد، والتتبع والمعاشرة، والعجن، والحرث، والتقليب.
إن ما يجتاح الكتابة الشعرية العربية، هنا والآن، إن كان يقدم بين يدي ما يُكْتَبُ ويُحَبَّر، ويُدبَّجُ، الدليل البين على النوعي والإضافي والتحديثي الذي يطول التخييل والبناء والصورة والإيقاع، فهو يقدم في الآن ذاته، كتابات عارية من مساحيق البلاغة والتصوير البعيد، والاستعارة الشعرية الفارهة، ومن الكلام الباطني المستقصي الدائري الذي يستغرق الصفحة بل الصفحات في محاولة لتفتيق أوراق شجرة الدلالة والمعاني الشعرية الحافة إلى أبعد مدى، فيما يصطلح عليه ب: «قصيدة النثر»، التي ما زال اللغط يحوم حولها ويدور بها كما دار النول زمنا ممتدا في يد «بينلوب» الملحمية. وهو يقدم أيضا – الشعر التفعيلي الذي بدأ معينه ينضب، وممارسوه من الشعراء يتناقصون ويتضاءلون، ويختفون أحيانا في قصيدة النثر، أوهم يمزجون بين التفاعيل المختلفة لكسر النمطية والخطية والمسطرية المعنوية والتعبيرية، ثم يؤثتون ما بين الأسطر، بأقاويل نثرية تمتح من هذا الشكل وذاك الشكل.
هي توطئة يمكن أن نؤطر ضمنها شعر أيوب مليجي بحيث إن كل بحث عن موضوع مسلح بالكلام الزائد، وبالتفاصيل «الشيطانية»، في العمل قيد التوطئة، هو بحث عبثي. وسُدىً يتفتح أمامنا هذا الشعر ليحكي جينالوجيا، ويقدم أوراق ثبوته، وشجرة نسبه. سُدىً يفعل ذلك لأنه شعر يُهاجِسُ اللغة تحديدا، وما تلاقيه الذات الكاتبة، والأنا الشعرية، من عَنَتٍ ومكابدة، وهي تفتش عما به تتطاول، وإلى ما به تستند وتحيا كما يفعل نبات اللّبْلاب.
ومن ثم، فغير مُجْدٍ بتاتا البحث في «شذرات منتصف الحلم»، عن ما يضيء الدلالة، ويُزَنّر الصورة، ويُقَسٍّط المجاز، ويرتع جَذْلانَ في عشب الحكاية والمعنى. فهل هي كتابة شعرية خاوية مُنْبَتَّة عن شجرة الشعر العربي، غريبة عما يماثلها، بعيدة عن المشاكلة والتقارب والتجاور والنسب؟ أبداً، ما عنيته هو أنها كتابة تلتف حول نفسها، راغبة في قول عذابها الخاص، وهي تسعى إلى أن تسكن اللغة، وتستقر فيها، وتمدها بضوء الشعر، وماء المجاز، وظل الاستعارة.
وإذا كانت اللغة شيئا معطى، متوارثا، مملوءا وغاصا بأفكار ورؤى وتعابير مئات الآلاف من الكتاب والمبدعين الذين تعاقبوا عبر التواريخ كاتبين، مضيفين، منوعين، منتقين، مشذبين، فإن فيها متسعا لا ينفد. وهو ما يجعل الكاتب والشاعر ذا الموهبة والحس العميق، والإنصات الفادح، والجنون العالي، ينفذ إلى قيعانها، وأصواتها، فيستخرج صوتا يحوزه ويرضاه، فيصبح صوته المؤكد الذي وصله بالتنقيب والاستغوار، والبحث والغوص.
بهذا الصوت تحديدا تتحدد المفارقة، ويرتسم الاختلاف والتفاوت بين المبدعين. وما كل من غاص بواصِلٍ، وحائز هذا الصوت إلا من أوتي الموهبةَ والعين الثالثة، والقلب الحي، والذوق الرفيع، وباركته آلهة الأولمب، ولمع له نجم السعد.  ومليجي واحد من الجيل الجديد الذين لمع لهم هذا النجم، فما عليه إلا اقتفاءه وترَسُّمَه ليأتي أقوى شاعرية، وأفرد كتابة، وأوحد إبداعا حتى وإن اشترك مع أنداده وأقرانه ومجايليه في الأمر الإبداعي، والقول الشعري.
وبهذا المعنى فالكتاب الصغير العميق الذي بين أيدينا يكشف عن شاعر آتٍ بقوة من المستقبل، يحمل مشعل الشعر حثيثا وهو يرنو إلى البعيد، إلى الأفق اللازوردي ليخط رسما أو نَدْباً على مرمر الأفق. في العمل الشعري نحتٌ وتقشير لِلِحَاءِ الثرثرة الزائدة، والكلام السائب، والمجاز المنفلت. وفيه إرادة الحياة، إذ يكفيه من الوجود ما يضفي على موجوديته معنى ليس إلا:
ليس بالضرورة أن أكون شاعرا
أحيا بالكلمات
أموت بين البحور
أتوجس من هذا البياض المحيط بي.
ليس بالضرورة أن أحيا / أموت / أتوجس
فقط يكفي أنني هنا
أننا هنا.
لقد كان منتظرا من الشاعر ـ كما هو منتظر من بني جلدته ـ أن يندمج مع القطيع، ويأكل الطعام، ويمشي في الأسواق، مجردا من الذاتية والفردية والأشواق. لكن قدر الشاعر، وهو الممتحن باللغة واليومي والمعيش، أن يشيح عن الظلال الكثيرة التي تحجب النور، وتواري جمرة اللهب المقدس الذي يحمله كل شاعر حقيقي في يده، وهو يمشي محترقا، يُصَفِّرُ، لا مباليا، في سمع الأيام: «كان عليه ألا يكون/ لكنه اختار خارج التعاليم/ كي يتخلص من الخطايا والمرآة/ ويسبح في عزلة النهر».
وإذا كان الشعراء عادة، وفي الدارج من مروياتهم ومساراتهم، يختارون العزلة «الذهبية»، وينزاحون عن الجموع الهادرة، والضوضاء الهائلة، فما ذلك إلا لأنهم أدركوا أن العزلة بياض، وهم في أمس الحاجة إلى هذا البياض ليكتبوا نصهم المتفرد، وصفحتهم الخاصة. هكذا تأتيهم القصيدة خُلْوا من الاهتياج، ملأى على خفتها بنور وهَّاج، نور في شكل امرأة، أو امرأة في شكل نور، تغوي، وتجعل دم الشاعر يعوي: «تطل علي القصيدة/ تأتي بكامل مشمشها/ تغويني باقتراف الخطيئة/ فتمضي…/ وأمضي».
ولا يعني المضي هنا سوى ملاحقتها ومطاردتها، وهي تبتعد وتنأى. لكن اللذة كل اللذة في هذا النأي، إذ مطاردة الفاتنة عذاب لذيذ، وألم عسلي، وعطر مدوخ، وشقاء مريح ومرغوب. عذاب مليجي يتمظهر، ويعلن عن نفسه، وهو يصارع اللغة لكي تمنحه نفسها، فيشبعها حبا، وتشرق بين يديه. وهو عذاب مطلوب ومنشود. وهو ما يضفي على مسعاه الشعري معنى. ذلك أن البوح بالعذاب، والبياض، وامتناع القصيدة عن المجيء، وتمنعها من الإقبال والزيارة والحضور، دليل على نجاح الشاعر وإن لم يفز باللذة العظيمة، إذ في الفوز نهاية، وانطفاء وموت: «تاركا حيرتي عند مفترق السؤال:/ هل اكتملت ملامح القصيدة/ كي تتضح الرؤى/ وتفيض العبارة».
إنه البياض الفادح، البياض الأعمى والمُعَمِّي الذي تكلم عنه بعمق فلسفي غير مسبوق موريس بلانشو، البياض الذي يتحدد باللازمن، بلحظة الكتابة التي هي لحظة خارج/ داخل الزمنية السائلة، وبالمحو الذي يصير إعداما للمؤلف، وإحياء لظله، ولوجوده الآخر الذي استقر في الحِبْرِ والكتابة. إنه البياض الذي يخيف المبدعين إذ يُشعرهم بنضوب مخزونهم، وموت حضورهم وخلقهم وابتداعهم.
أقول في وجازة إن مليجي كتب شذرات و»مقطوعات» شعرية، نَاستْ بين القلق واللذة، قلق الكتابة، ولذة فوزه ببنائها، وهندسة فكرته أو رؤيته. وعندي أن القلق في الكتابة مدخل إلى تجويدها وإتيان ما يعجب ويَسرّ فيها، ومفتاح إلى ولوج أدغالها، والعراك مع اللغة بوصفها غابة، للظفر بورقة ترتجف نصاعة وخضرة زاهية، وتقطر ماء من شجرها الكث الغزير الشجير. أما اللذة فتحصيل ما سعت إليه يد الشاعر، وما قطفته من ظلال نائمة في زهرة الفكرة، وبتلة الورد المنسية في جفن شعاع شمسي يتسلل بين الأشجار ليصل إليها.
وها هو مليجي في الغابة الشعرية حاطبا ومحتطبا، وباحثا عن وردته الشعرية، عن تلك البتلة التي تنتظره وقد أصبح وشيكا من رؤيتها، ولا أقول قطفها، ففي القطف وصول وامحاء، ونَأْيٌ بالشعاع عن الشعاع.

أيوب مليجي: «شذرات منتصف الحلم»
دار éditions plus  ، المحمدية (المغرب)،
2017 100 صفحة.
100 صفحة.

«شذرات منتصف الحلم» للشاعر المغربي أيوب مليجي: قلق الكتابة ولذّة الفوز ببنائها

د. محمد بودويك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية