شرق أوسط جديد

حجم الخط
0

حلم الذين يحلمون بيننا ـ الذين رأوا قبل عقدين كيف أن منطقتنا تتحول إلى «شرق اوسط جديد» ـ آخذ في التحقق في هذه الايام أمام أعيننا. ليس هذا شرق اوسط للسلام والازدهار والاستقرار، وليس شرق اوسط المسؤولة عنه هي الولايات المتحدة. إنه شرق اوسط لعدم الاستقرار وللتطرف الديني، ولكن ب شرق اوسط تتحكم فيه كل من روسيا وإيران، ومن يفرض الاحداث هو السكاكين في القدس.
إن حلم اقامة شرق اوسط جديد في منطقتنا استند في التسعينيات على قوة الولايات المتحدة التي هزمت الرئيس العراقي صدام حسين واحتلت بعد ذلك العراق ودفعت إيران إلى الزاوية. روسيا في تلك الفترة كانت دولة ضعيفة ومحطمة، وبصعوبة تقف على قدميها. قوة الولايات المتحدة دفعت الزعماء العرب إلى التقرب من الأمريكيين. وكما تعلم انور السادات في حينه: «الطريق إلى واشنطن والى قلب الأمريكيين تمر باتفاق سلام مع اسرائيل».
لكن مياه كثيرة تدفقت منذ ذلك الحين في نهر الاردن. والسلام لم يضرب جذوره، لا سيما في قلب الشارع العربي، ولم ينقذ العالم العربي من ضائقته، ولم يوقف التطرف الديني الذي انتشر فيه. الولايات المتحدة ملت وقررت ترك المنطقة، وفي جميع الاحوال فقدت قوة تأثيرها في المنطقة ولم تعد تتحكم بما يحدث هناك.
لكن في منطقتنا ليس هناك فراغ. فروسيا وإيران تقومان بملء مكان الأمريكيين، وتحول الخط الشيطاني من أمس إلى الخط المركزي الذي تستند اليه المنطقة اليوم. الروس يعمقون تدخلهم وسيطرتهم في سوريا، وإيران تفعل ذلك في العراق، ومصر لا تخفي رغبتها في أن تكون جزءً من هذا المحور الذي باتت انظمة عربية كبيرة ترتبط به.
اسرائيل ليست شريكة طبيعية أو مرغوب فيها في الحلف الروسي ـ الإيراني الذي يريد السيطرة على الشرق الاوسط. لكن بالنسبة للروس على الأقل، اسرائيل ليست خصما أو عدوا. روسيا تريد ضرب الأمريكيين وابعادهم عن المنطقة، وفي نفس الوقت تريد وقف التطرف الديني الذي قد يصل إلى أبواب موسكو.
الروس يفهمون ما لم تدركه واشنطن بعد ـ لا توجد علاقة بين انتشار «الدولة الإسلامية داعش» وبين الصراع الاسرائيلي الفلسطيني. وأن تقدم المفاوضات الاسرائيلية الفلسطينية لن يوقف التطرف أو الجنون في المنطقة. لذلك يركز الروس على اهدافهم ولن نسمع منهم تنديد ضد اسرائيل وهي تعمل على اعادة الهدوء إلى شوارعها.
لكن روسيا تساعد إيران في نفس الوقت، على تقوية وجودها في المنطقة. واسرائيل وإيران مثل روسيا والولايات المتحدة ـ تتنافسان على التأثير وعلى المكانة، لذلك يدور بينهما صراع يصعب حله ومن شأنه أن يتصاعد.
الروس والإيرانيون، لا سيما حلفائهما من حزب الله والرئيس السوري بشار الاسد، يتحدثون علنا عن «الشرق الاوسط الجديد» الذي ستكون سوريا حجر الاساس فيه بعد أن تعزز روسيا وإيران تواجدهما وتضربان المتمردين في سوريا. ومن هناك ستذهبان إلى العراق ويمكن إلى لبنان ايضا، وستتعزز مكانتهما في مصر. الولايات المتحدة هي الحليفة الاستراتيجية لاسرائيل وستبقى هكذا. فهي تأتي وتذهب ولا بد أن تعود بكامل قوتها إلى المنطقة. لكن في السنوات القريبة سيكون الشرق أحمرا (رمز الاتحاد السوفييتي سابقا)، والمركز سيكون، كما يبدو، موسكو.
مثل الأمريكيين، قد يكتشف الروس مع الوقت أن كبح الراديكالية والتطرف هو أمر صعب وأن القضاء على داعش ليس هدفا فوريا. فهم بحاجة إلى وجود التنظيم في عمق الصحراء لتبرير تواجدهم في المنطقة. لكن خلال السنوات القادمة سيكونون هم اصحاب البيت. أما في واشنطن فتستمر وزارة الخارجية في اسماع الاحتجاج أو دعوات التهدئة دون أن يستمع أحد من خارج الولايات المتحدة.

اسرائيل اليوم 21/10/2015

إيال زيسر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية