شرق وغرب… هل يلتقيان؟

هل كان الفكر الإستعماري وحده هو ما دفع «رديارد كبلنغ» (1865 ـ 1936) شاعر الإمبراطورية البريطانية «اللاتغرب» الشمس عن أرجائها، للنطق بقوله المشهور: «الشرق شرق والغرب غرب/وأبداً لن يلتقي الإثنان»؟ إن الشعور باستحالة اللقاء بين الضدين متجذر في الفكر البشري. وفي تراثنا العربي أمثلة على ذلك، منه رواية طريفة، بغض النظر عن صحة روايتها أو دوافعها، عن رجل ليس له حظ من الوسامة، طلب الزواج من حسناء دمشقية، اسمها ثريا والرجل يماني اسمه سُهيل. استنكر الشاعر تلك الجرأة، فقال:
أيها المُنكحُ الثريا سهيلاً عمركَ الله كيف يلتقيان؟
هي شامية إذا ما تبدت وسُهيلٌ إذا أظلّ يماني.
ونجمة الثريا تطلع من الشمال، أي من الشام، شمال اليمن. فكيف يلتقي الشمال مع الجنوب؟
سؤال الاستعماري «الخبيث» مثل سؤال الشاعر «البريء» يقوم على منطق، وعلى خبرة بالحياة ولنأخذ هذا التفسير الذي لا يفتقر إلى منطق. كان أول «تغرّب» لي عن الحياة في مجتمع عربي يقوم على ثقافة تراثية لا نفكر في مساءلتها، يوم حصلتُ على أول بعثة للدراسات العليا في جامعة هارفرد، فذهبتُ، وأنا في أول الشباب والاندفاع والثقة بالنفس، أني قادم من مهد الحضارات، مستعد للرد على كل من يحاول أن يزاود علينا. ولكني اليوم لا أرى بأساً بالاعتراف أني كنتُ متحسباً إزاء محيط يفوقنا بالتقانة والمظاهر المادية: لديهم حضارة، ولدينا ثقافة، وتراث، فكيف يلتقيان؟
كانت أول مفاجأة مذهلة لي باكتشاف «الاختلاف» عند وصول مسؤول استقبال «الطلبة الأجانب» الذي أخذني من المطار، مروراً باشجار كثيفة على جانبي الطرق التي لا مثيل لها في بلادنا. وهذه ملاحظة ذات مغزى كبير. سألتُ مضيفي سؤالاً غريراً: هذه الأشجار غريبة الشكل: أوراقها حمراء صفراء بنفسجية… أين «الكلوروفيل» الذي قرأنا عنه في خضرة الشجر؟ فكان الجواب المؤدب: ولكن ألم تقرأوا في مدارسكم عن «الزانثوفيل» وغيره من «الأفيال» الأخرى، التي تعطي الشجر ألوانا غير الأخضر؟ هذا الفصل عندنا اسمه «الصيف الهندي» أي فصل «السقوط» قلتُ: نحن نسميه «الخريف» فلماذا «السقوط؟ الأن الأوراق «تسقط» في هذا الفصل؟ بالضبط: كان الجواب المقتضب.
وفي الجامعة صرتُ ألاحظ كل مختلف عما ألفناه في محيطنا العربي، الإسلامي، غالبا، ولا أعبر عن دهشتي، «خشية أن يأتيني جواب «مقتضب» يكشف جهلي وتخلفي المشرقي. فهؤلاء الطلبة جمهور «تجمع فيه كل نسل وأمةٍ» مع نسبة عالية من «أولاد عمومتنا». هم يحاذرون الاشتباك معي في جدلٍ سياسي حول «النكبة» التي كانت دماؤها ما تزال حارة… يحاذرون لما عرفوا من «حدة لساني» بلهجة اكسفوردية، غريبة عنهم. ولكني لم أستطع كبح جماح استغرابي عن «المختلف» في هذا «الغرب» الذي لا أمل منه أن يلتقي مع «الشرق».. كانت الأسابيع تقترب من عيد ميلاد السيد المسيح، الذي نحتفل به في مشرقنا العربي بما يستحقه من احترام، ولو بغير طقوس كنسية عند غير المسيحيين. أخذني طالب أكبر مني سناً، وفي مرحلة دراسية متقدمة، «ليثقف» هذا العربي المسلم بتراث الغرب المسيحي. قال: في ميدان يانع الخضرة والزهور، قريب من الجامعة، يقام في هذه الأيام مشهد يمثل الميلاد، يزوره كثيرون لجماله وقيمته الرمزية. تعال لترى ما لدينا. ماذا رأيتُ؟ تشكيل «يذود» فيه تماثيل بعض الأبقار وتعريشة تحتها تمثال السيدة العذراء تحتضن الطفل يسوع، ومن بعيد تماثيل ملوك المجوس يتبعون نجمة بيت لحم… إلى آخر القصة المعروفة. ولكني لم أستطع كتمان صيحتي: ولكن لماذا هذه المجموعة من «الذئاب» أمام الأم والطفل؟ استغرب مرافقي وقال: هذه ليست ذئاب، بل حِملان. قال المسيح: أنا حَمَل الإله…واستمر في موعظته الكهنوتية. قاطعته قائلاً: الحِملان في بلادنا ليس لها رأس مدبب طويل، ولا ذَنب، بل إلية مستديرة فلماذا غيرتم حتى صورة الحَملان لتكون كما تتصورون انتم، لا كما هي في بيت لحم وفلسطين. ثم إن صورة العذراء في هذا التمثال هي شقراء، وكذلك الطفل… هل إن مسيح الغرب غير مسيح الشرق؟
وبدأت أنا موعظتي في طريق العودة. قلت: أنت تعرف صورة «ليوناردو دافنشي» الشهيرة: العشاء الأخير. طبعا، أي مسيحي لا يعرفها؟ كان جوابه المتعالي. قلتُ: إن صورة المسيح هنا ليست صورة المسيح الفلسطيني، بل هي صورة نبيل ايطالي بملابس باذخة لم تكن في متناول المسيح في بيت لحم. والحواريون حوله يشبهون الصيارفة اليهود في «نابولي» أو أصحاب المنضدة «بانكو» التي تشبه المنضدة في الصورة، التي أصبحت «بانكودي روما» أول «بنك» في ايطاليا أسسه شكسبير. ثم: الخبز المنثور على المائدة لا يشبه الخبز الفلسطيني الذي بقي محتفظا بشكله حتى اليوم… كل شيء في صورة «العشاء الأخير» إيطالي، لا فلسطيني ولا «تلحمي» فما قولك؟
والحديث عن «الحب» في الغرب حديث نجده غريبا، نحن المشرقيون والعرب عموما. في كتابه الفذ «طوق الحمامة» يشرح الفيلسوف الفقيه ابن حزم الأندلسي واحداً وثلاثين نوعاً من الحب، في أول كتاب تحليلي عرفه العالم. لكن مفهوم الحب في الغرب، وفي أمريكا على الخصوص، مفهوم غائم، أو لا مفهوم أصلاً. مرة في «ساعة الشاي» عصراً في الجامعة، أصغيت إلى طالب يحادث زميله قائلاً: أمس رأيت «جانيت» مع رفيقها «آرشيبالد» في مطعم سأله: من جانيت؟ قال الفتاة الجميلة ذات العينين «بخضرة الدولار». ما شاء الله. أصبح الجمال في أمريكا يُقاس بخضرة الدولار! لم أستطع أن أقدم موعظة لهذا الشاب عن مقياس جمال العيون في شعرنا العربي. أولاً نحن نتحدث عن عينين اثنتين، بصفة المثنى التي لا تعرفها اللغات الأوروبية الحديثة. أما «عيون المها بين الرصافة والجسر» فهن عيون «المها الكثيرات» اللائي جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري. ولما أعيا شاعرنا وجود لون يصور جمال عيني الحبيبة، التجأ إلى الله فقال: «وعينان قال الله كونا فكانتا/ فعولات بالألباب ما تفعل الخمر» وأنا تحدى من يستطيع «نقل» هذه الصورة إلى أية لغة من لغات الأرض، بما فيها من بلاغة وإحالة إلى «وإذا أراد الله أمراً، إنما يقول له: كُن فيكون». فكيف: كونا، فكانتا؟
واستمر صاحبنا يسأل: ترى هل سيتزوجان؟ قال: أكيد. والد الشاب يحمل لقب «ايرل» في بريطانيا. سأل الذكي: كم دخل «الإيرل» السنوي؟ الجمال عندهم عينان بخضرة الدولار، ولقب الشرف يجب أن يتبعه الدخل السنوي.
أما أن تكون «البنت مستورة» محتفظة بعفتها وعذريتها إلى حين الزواج فمسألة غير واردة عادة عند أصحاب الحضارة التقنية، وإلا اتهم العفيف والعفيفة أتهما «بيوريتان» أي من المصلحين الطُهريين! لذا، فمن المألوف في المجتمع الغربي، والأمريكي خصوصاً، أن «يخرج» الابن أو الإبنة بعد «سن الرشد» للعيش خارج بيت الأسرة، من أجل «التمتع» بالحرية على أصنافها. ومن المألوف أن الفتاة إذا سُئلت لماذا فعلت «السبعة وذمتها» قبل الزواج، قالت: هذا جسدي أنا، ولي حرية أن أفعل به ما أشاء. ما شاء الله، نقول نحن المتخلفون في مجال الحضارة الحديثة.
مرة كنت أشاهد على التلفزيون فيلماً أمريكيا، كان الرجل يتودد إلى رفيقته ويحاول معها جهده وهي تصده بأدب، فلما ضاق ذرعاً صفعها بشدة قائلاً: أعتقد أنك عذراء! يا للإهانة!

عبد الواحد لؤلؤة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية