باريس – أ ف ب: أسعار النفط آخذة في الارتفاع، وشركات النفط الكبرى تحقق أرباحا كبيرة، إلا أنها تتوخى الحذر حيال الاستثمار في هذا القطاع نظرا لتجاربها السابقة، عندما انخفضت الأسعار بشدة منذ منتصف عام 2014، عندما كان سعر البرميل يتجاوز المئة دولار قبل ان يبدأ انحدارا سريعا ليسجل 27 دولارا في أوائل عام 2016، ليعاود صعودا تدريجيا وص به إلى 57 دولارا في نهاية العام الماضي.
وفي مايو/أيار الماض سجل سعر النفط مزيدا من الارتفاع ووصل إلى 80 دولارا للبرميل، لكنه تراجعت بعد ذلك إلى نحو 75 دولارا.
ومؤخرا أظهرت تقارير الارباح الفصلية لشركات النفط ارتفاع أرباحها بشكل كبير. لكن الانهيار الكبير لاسعار النفط قبل اربعة اعوام وسط تخمة في الاسواق يجعل هذه الشركات لا تخلد إلى الراحة.
قال باتريك بويان، الرئيس التنفيذي لشركة «توتال» الفرنسية ان الاسعار لا تزال «عرضة للتقلب بشكل كبير».
جاء ارتفاع الاسعار لأسباب بينها اتفاق تم التوصل اليه في ديسمبر/كانون الاول 2016 بين منظمة الدول المصدرة للنفط «اوبك» وروسيا.
ولكنها عادت إلى الاستقرار بسبب تجديد الاتفاق الشهر الماضي بين الدول العملاقة المنتجة للنفط على زيادة الانتاج.
الا ان معوقات الانتاج في ليبيا وفنزويلا وإيران يبقي الاسعار عرضة للتقلبات.
كما ان تبادل التصريحات الحادة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الإيراني حسن روحاني خلال عطلة نهاية الاسبوع أعادت تجديد المخاوف في الاسواق.
وقال غي ميزونييه، من معهد «اي.اف.بي.اي.ان» لابحاث الطاقة الفرنسي، ان ما يضيف إلى الضغوط هو «خطر لا يزال يحيق بالاسواق يتمثل في النفط الصخري»، في اشارة إلى هذا المصدر غير التقليدي الذي جعل من الولايات المتحدة المنتج رقم واحد للنفط مرة أخرى.
وأضاف ان «شركات النفط تخشى من ان الارتفاع الحاد في الانتاج الأمريكي يمكن ان يغير ديناميكيات السوق» ويؤدي إلى انخفاض الاسعار بسرعة.
وفي هذه الظروف المتسمه بعدم التيقن فإن «شركات التنقيب عن النفط وإنتاجه تستجيب لارتفاع الأسعار أولا بالرغبة في مكافأة المساهمين من خلال زيادة حصصهم من الأرباح»، حسب المحلل رائد الإسلام من شركة «ريستاد اينيرجي» النرويجية للابحاث والاستشارات.
كما أنها تصبح مقترة في استثماراتها التي تختارها بعناية شديدة.
وقال سبنسر ويلش، من «اي.اتش.اس.ماركت»، ان شركات النفط «حذرة للغاية وتقوم باختبار ما اذا كانت المشاريع ستكون مجدية اقتصاديا عندما تكون اسعار النفط اقل من 50 دولار للبرميل او حتى 40 دولار للبرميل قبل ان توافق على المشروع».
واضاف ان الإنفاق على التنقيب والانتاج لا يزال ضعيفا ولا يتجاوز حجمه نصف ما كان عليه بين 2011 و2014.
والبلد الوحيد الذي يزداد فيه الانفاق هو الولايات المتحدة حيث حول التنقيب عن مخزونات النفط الصخري البلاد إلى منتج كبير للخام مرة اخرى.
وحسب ارقام معهد «اي.اف.بي.اي.ان» فإن الاستثمار العالمي في التنقيب عن النفط وانتاجه بلغ 700 مليار دولار في 2014 قبل ان ينخفض مع انهيار أسعار النفط.
وحتى لو ارتفع الاستثمار بشكل متواضع، فإنه لن يزيد عن 400 مليار دولار هذا العام، حسب توقعات المعهد.
وأثار هذا التردد في الاستثمار تحذيرات من «وكالة الطاقة الدولية» مفادها أن إمدادات النفط لن تكون كافية لتلبية الطلب المتزايد خلال السنوات القليلة المقبلة.
ويوافق ويلش على ذلك قائلا أنه رغم تفهمه لمخاوف الشركات، لكن عليها ان تظهر بعض الشجاعة إذا أرادت ان تحافظ على إمدادا العالم بالنفط.
ويضيف «لا يزال العالم يحتاج إلى النفط بمعدل 100 مليون برميل يوميا، وسيحتاج إلى مزيد منه. لذا، يجب زيادة عمليات استكشاف النفط وتطويرالحقول بأكثر من المستويات الحالية، لأن الإنتاج الآن بحاجة إلى التعويض مع انخفاض الإمدادات الحالية».
وقد دفعت سنوات من الأزمة شركات النفط إلى تفضيل الاستثمار في المشاريع الأرخص والأكثر بساطة.
ويقول رائد الاسلام «ما تخشاه الشركات الكبرى هو إطلاق مشروعات كبرى عالية التكاليف كالتي شهدناها خلال أيام أسعار النفط المرتفعة بشكل كبير».
فعلى سبيل المثال كانت شركة «بريتِش بتروليوم (بي بي)» وشركائها يخططون لاستثمار 20 مليار دولار في مشروع «ماد دوغ2» العملاق في خليج المكسيك. لكنهم غيروا رأيهم لاحقا وقالوا ان المشروع مكلف ومعقد جدا. وقرروا بدلا من ذلك استثمار 9 مليارات دولار بعد تبسيط خطط بناء المنصة.
وللابقاء على التكاليف منخفضة، تمارس الشركات ضغوطا على مزودي الخدمات الذين اضطروا إلى التخلص من آلاف الوظائف في السنوات الاخيرة.
وقال غايل بودينز، مدير شركة بوربون الفرنسية التي توفر الخدمات البحرية لشركات النفط «عام 2018 كان رابع عام على التوالي تنخفض فيه الميزانيات». واضاف «علينا الانتظار حتى 2019 لنرى الاستثمارات تزداد مجددا تدريجيا».